رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


عندما يتقدم اقتصاد العرب سياستهم

يمكن القول – بدون تحفظ – إن القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية في دورتها الأولى قبل عامين، تجاوزت بخطوات لا بأس بها، القمم العربية السياسية، على الرغم من أن التعاون الاقتصادي العربي، لا يزال دون مستوى الآمال العربية ككل، وأقل من مقدرات العرب، وأدنى من مكانة أي تعاون إقليمي عالمي. ولا بد من الاعتراف، بأن «قمة الكويت الاقتصادية» الأولى، وضعت هيكلية عامة للتعاون الاقتصادي العربي، على طريق التكامل الذي – وإن كان ليس قريباً - إلا أنه بات يُطرح على الساحة في كل الأحوال.
تقدَم الاقتصاد العربي على السياسة العربية، لكنه لا يزال بحاجة ماسة وقوية وضرورية، لأن يصل إلى مرحلة الحصول على «كأس» البطولة، بصرف النظر عما يقوله المتشائمون. فهؤلاء يقولون: إن هذا التقدم في الواقع، أتى من فرط تراجع المسار السياسي العربي، لا من جودة مسارات التعاون الاقتصادي. لكن – للإنصاف - أقول: إن الذي يقود التعاون العربي هو الاقتصاد. ولا بأس في ذلك. فقد شهدنا على مدى عقود من الزمن، كيف أن الاقتصاد قاد التعاون الأوروبي، على الرغم من الاختلافات السياسية في القارة العجوز، وكيف فضَل السياسيون هناك هذا التعاون، على مناوشات واختلافات سياسية – بعضها عقائدي – من أجل مستقبل أكثر ازدهاراً ورخاء لشعوبهم، وتنمية أقوى تماسكاً واستدامة لمجتمعاتهم. فحتى الحكومات الأوروبية التي كانت تهيم في بحار من القومية والوطنية المغلقة، وجدت أن معاندة التعاون الاقتصادي الأوروبي، لا يقدم لها إلا العزلة الاقتصادية. فقد عرفت أنه بدون التناغم مع محيطها، ستكون أول المتضررين.
المحاور التي وُضعت أمام القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية الثانية في شرم الشيخ، مهمة جداً، بل مطلوبة إلى أبعد الحدود. لماذا؟ لأنها بمثابة استحقاقات عربية، لا بد أن تُستحضر، وبأسرع وقت ممكن. إنها من تلك المحاور التي تخص المستقبل، أكثر مما تخص الحاضر. وما أحوج العرب الآن لمثل هذه المحاور والطروحات. خصوصاً أنها كانت – ولا تزال عند البعض – محل شك في أن تُستكمل على الأرض، وأن تُجسد كمشروعات استراتيجية تنموية مستدامة، تصب في مصلحة الجميع. الثري والفقير، المتقدم والمتراجع، المزدهر وقليل الازدهار.
مشروع الربط الكهربائي العربي، وصندوق دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وقطاع النقل البحري ومشروع الغاز، هي في الواقع مشروعات استراتيجية، ستكون بمثابة الرموز الأولى للتكامل الاقتصادي والتنموي العربي. وأن يتم وضعها كمحاور أساسية في القمة الاقتصادية الثانية، يعني أن العرب، جادون في التعاطي مع المستقبل. بصرف النظر عن وجود محاور أساسية أخرى ومهمة إلى أبعد الحدود، كالحد من الفقر، والوصول إلى حالة ضرورية من الأمن الغذائي، والحرب ضد الأمية، ومواجهة البطالة، وتحسين ظروف التعليم، والاهتمام باقتصاد المعرفة والبحث العلمي. وغيرها من القضايا المرتبطة مباشرة بالتنمية المستدامة. وبالفعل تجري الخطوات بصورة مُرضية على صعيد الربط الكهربائي. وعلى الرغم من أن هذا الربط لم يكتمل بعد، وكان من المقرر له أن يستكمل تماماً في نهاية العام الفائت، غير أن النتيجة – وإن جاءت متأخرة بعض الشيء – ستكون تاريخية من حيث الإنجاز والتوجه والتخطيط. وتكفي الإشارة إلى أن هذا المشروع يضم ثماني دول هي: ليبيا ومصر والأردن والضفة الغربية وسورية وتركيا والعراق ولبنان. والحقيقة أن حكومات الدول المعنية، تقوم باتخاذ الخطوات اللازمة لوضع مشروعات الربط الكهربائي موضع التنفيذ دون عوائق.
وفيما يرتبط بدعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، لا تزال هذه القضية المحورية المهمة، في مراحلها الأولى. فخلال العامين الفاصلين بين القمتين الأولى والثانية، تبدو القضية غير واضحة، خصوصاً فيما يرتبط بإنشاء بنك للتنمية الاجتماعية في الوطن العربي لتقديم التمويل للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر. وهذا المحور بالتحديد سوف يساعد الاقتصادات العربية – ولا سيما الصغيرة منها – في مسيرة التنمية المطلوبة، كما أنه سوف يخلق أرضية جيدة للتوظيف، خصوصاً في الدول التي تعاني ارتفاع معدلات البطالة. وإذا ما اتضحت الصورة في قمة شرم الشيخ، فيما يرتبط بدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فإن ذلك، سيضع المشككين في جدوى طرح هذا المحور في القمة، في موضع حرج. إن مثل هذه المشروعات تسهم بصورة مباشرة في تحريك الاقتصادات الراكدة أو بطيئة الحركة، كما أن نتائجها تكون عادة سريعة وواضحة وظاهرة للعيان. إنها من المشروعات التي تحرك ماكينة الاقتصاد، وتخلق فرص عمل سريعة. وكانت دراسة قد قُدمت للقمة الاقتصادية العربية الأولى في الكويت، تحث على ضرورة أن يكون هناك صندوق لا يقل رأسماله عن ملياري دولار أمريكي، يسهم فيه القطاع الخاص، والبنوك، وقطاع التأمين إلى جانب الحكومات.
ولا يقل مشروعا خط الغاز وقطاع النقل البحري العربيين أهمية عن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة. فهذان المشروعان يسهمان بصورة قوية في دعم التعاون العربي الاقتصادي. وتكفي الإشارة إلى أن المراقبين الغربيين أنفسهم، يعتبرون خط الغاز العربي، نموذجاً متميزاً لمشاريع التعاون العربي الاستراتيجية، وأنه بمثابة شريان اقتصادي استراتيجي يربط بين مصر والأردن وسورية ولبنان وبين قارات إفريقيا وآسيا وأوروبا في مرحلة لاحقة. خصوصاً أنه يهدف إلى تصدير الغاز الطبيعي المصري إلى تركيا وأوروبا، مع إمداد كل من الأردن وسورية ولبنان باحتياجاتهم من الغاز الطبيعي. ولأنه كذلك بالفعل، فإن وضعه ضمن الأولويات يعد خطوة مهمة جداً إلى الأمام. وفي الوقت الذي يحقق فيه خط الغاز العربي، قفزات نوعية، إلا أن قطاع النقل البحري لا يزال دون مستوى الآمال، خصوصاً إذا ما عرفنا، أن النقل البحري يشكل قرابة 90 في المائة من حجم النقل العالمي بشكل عام.
لا شك في أن القضايا الأخرى التي يجب أن تُطرح في قمة شرم الشيخ، ليست أقل أهمية من القضايا المحورية فيها. لكن استكمال المشروعات الاستراتيجية، لا توفر معاول التنمية المستدامة فحسب، بل تحفز على الانتقال إلى القضايا المصيرية الاقتصادية الأخرى، خصوصاً تلك التي ترتبط ببناء الإنسان وصيانته.. إنها مهمات تاريخية متكاملة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي