فشل السوق في توفير سكن ميسر
تمكين جمهرة الناس من الحصول على سكن ميسر خطوة كبرى في توفير الحياة الكريمة لأفراد الشعب ومكافحة التضخم وغلاء المعيشة.
لنتفق أولا على معنى سكن ميسر. الإسكان الميسر يصف الوحدات السكنية التي تحقق حدا أدنى من المعايير السكنية اللائقة، والحصول عليه في استطاعة الناس من ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة.
أرجو من القارئ أن يتمعن جيدا في الكلمات الأخيرة من العبارة السابقة. العبارة تقول إن الحصول عليه في استطاعة أو متناول أولئك الناس، ولم تقل في حدود دخولهم. بمعنى أنه يجب أن تكون تكلفة السكن اللائق المطلوب من غالبية الناس دفعة في حدود استطاعتهم المالية. طبعا، من المؤكد أن دخول كثير منهم لا تسمح لهم بتحمل التكلفة كاملة.
ما المعيار في كون التكلفة المطلوب من غالبية الناس دفعها في قدرتهم أو استطاعتهم؟ أشهر معيار ألا يضطر الناس إلى دفع أكثر من ثلث دخولهم في سبيل الحصول على السكن اللائق.
كيف الأمر على أرض الواقع؟
متوسط الأجر الشهري في الحكومة يزيد على نظيره في القطاع الخاص (كله وليس في الشركات الكبيرة فقط) عدة مرات. والسبب أن نحو معظم قوة العمل السعودية تعمل في منشآت لا تعطي دخولا منافسة للحكومة، أو أنهم نصف عاطلين (أعمال مؤقتة أو دوام جزئي ونحو ذلك) أو عاطلون. أما الذين يعملون في الشركات والمؤسسات التي تدفع رواتب وعوائد أعلى أو منافسة للحكومة فلا يتجاوز عددهم مئات الآلاف - المصادر تقارير مؤسسة النقد السنوية واستراتيجية التوظيف.
لنفرض أن معدل الأجر الشهري لشاب في عمر العشرينات هو في حدود أربعة آلاف ريال. وسيصل الراتب إلى حدود ثمانية إلى عشرة آلاف ريال في سن الأربعينات. ومن المفترض سعي الشاب (أو العائلة) إلى امتلاك سكن في سن الثلاثينات أو الأربعينات.
أي نوع من السكن بهذه القدرة؟
قبل 30 عاما كانت أسعار الأراضي أرخص كثيرا، وكان قرض صندوق التنمية العقارية يُمنح خلال أيام أو أسابيع، وكان يغطي معظم تكلفة بناء فيلا متوسطة الحجم.
حاليا، قروض الصندوق تتطلب سنوات وسنوات طويلة من الانتظار، أما التمويل البنكي فلا يتيح (في الغالب) بتلك الدخول إلا شراء (أو بناء) وحدة سكنية لا تزيد مساحتها على 160 مترا مربعا في عمارات من النوع الذي نراه على شوارع 30 مترا، حيث تتصف بأنها صغيرة متجاورة تخلو فيما بينها من فراغات وساحات ومسطحات خضراء وملاعب ونحو ذلك (كما نرى في مساكن تبنيها جهات حكومية كالجامعات).
إذا استمر الوضع كما هو، سنرى غالبية الشعب بعد حين، قل مثلا 20 عاما، تسكن في تلك البنايات.
ألا يمكن تحسين هذا المستوى الإسكاني؟
يمكن بشرط تدخل يخفض التكلفة على الناس. وعندما نقول بهذا، فإننا نحكم تلقائيا على وجود فشل في سوق الإسكان.
وعبارة فشل السوق market failure عبارة تقنية في الاقتصاد تصف وضعا لا يوفر فيه السوق سلعا وخدمات بالمستوى الأمثل اجتماعيا، مما يبرر تدخل الحكومة.
مقارنة تكلفة الأرض والبناء بمستويات الدخول تجعل الحصول على سكن لائق تتوافر فيه حدود دنيا من المعايير أمرا خارج قدرة كثير من الناس. ويزداد الأمر سوءا، بالنظر إلى أن ثقافة وعادات المجتمع تضغط تجاه بناء مسطحات إضافية، تزيد على حاجة أهل البيت أنفسهم، بالمعنى الأصلي الضيق.
طبعا ضعف الدخول مقارنة بالتكلفة (أو بعبارة معاكسة مشكلة التمويل) سبب أساسي في وجود فشل السوق. عوّل الناس في الماضي على صندوق التنمية العقارية، إلا أن دوره انحسر لأسباب ليس مجال مناقشتها هذا المقال.
حسنا، ماذا عن تمويل السوق؟
من المهم جدا ألا يتوهم أحد أن السوق يوفر تمويلا لسكن لائق في متناول الغالبية، لوجود جانبين متعارضين:
- عائد جذاب للمشاركين في السوق.
- شروط معقولة للدائنين المحتملين.
إقرار قوانين التمويل العقاري سيحل مشكلة بعض الناس، ولن يحل مشكلة الباقين.
لا بد من تدخل الحكومة بوضع آلية دعم لتمويل تملك المساكن، تتصف بالرسوخ والاستدامة.
باختصار، هناك فشل سوق في الإسكان. أي أن سوق الإسكان لا يوفر سكنا لغالبية الناس بالمستوى الأمثل اجتماعيا. وقد تدخلت الحكومة في الماضي عبر صندوق التنمية العقارية لكن دوره انحسر، والسبب الأول تناقص واضمحلال موارده مع مرور السنين. ما علاج هذا التناقص؟ موضع حديث مستقبلا، إن شاء الله. وبالله التوفيق،،،