الفوز سلسلة مترابطة من القرارات الصحيحة!
في جميع أمور الحياة هناك أسباب للفوز وأسباب للإخفاق وهي واضحة لا تخفى على أحد إلا المكابرين والمتهاونين واللامبالين والمتقاعسين. أولئك الذين يعلقون إخفاقاتهم على الآخرين أو سوء الحظ بينما هم يقفون باتكالية وانسحاب تام يندبون حظهم ويرجون أن تستقيم أمورهم دون أن يحركوا ساكنا ويأخذوا بأسباب النجاح. هذه السلبية والجمود لن تفيد شيئا، فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. ويخطئ من يعتقد أن الحظ خارج عن إرادته، والحقيقة أن له النصيب الأوفر والسهم الأكبر في حدوثه، ففي الحديث الشريف ''كل ميسر لما خلق له'' مصداقا للآية الكريمة '' فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى''. والمحظوظ هو العاقل الرشيد الذي يأخذ بالأسباب ويختار الوسيلة الصحيحة التي توصله للهدف الصحيح. ولذا فالحظ يعني عندما تقابل القدرة الفرصة. وإذا لم تكن الفرصة معلومة وخارج إرادة الإنسان، فالعمل على التطوير والتحسين ورفع القدرة يدخل ضمن دائرة الممكن فيكون الإعداد لتحين الفرصة أمرا لازما حتى إذا ما وافته كان في الموعد ونال الفوز وتحقق المبتغى. ومع أن الجميع بطبيعتهم البشرية يتطلعون ويتمنون الفوز وتحقيق النجاح، إلا أن الكثيرين لا يبذلون ما بوسعهم ولا يسعون جاهدين بعزيمة وإصرار لتحقيقها، فالأماني شيء والعمل الجاد من أجل تحقيقها شيء آخر! وكما يقول الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
فالأماني والأحلام أمر ضروري في التوجيه والاسترشاد والتحفيز ولكن الأهم العمل من أجلها لتتحول إلى واقع نحسه ونعيشه ونسعد به.
وإذا كان الإخفاق على المستوى الفردي مرده العجز والكسل والجهل بمعادلة النجاح وهو الأخذ بالأسباب، فإن من أهم عوائق الفوز على مستوى العمل الجماعي عدم العمل بروح الفريق والتفرد في صنع القرار ليسيطر تفكير أوحد يغلق جميع المنافذ للتفكير الإبداعي ورؤية الأمور على حقيقتها من وجهات نظر مختلفة. بل إن التفرد بالرأي يعطل العقول ويحجب التعلم ويقلل من قدرات الفريق والدافعية نحو المشاركة والإسهام في تحقيق الأهداف. وعندها يكون القرار قرارا فرديا مشوها مليئا بالتخبطات والعثرات ولكنه, مع الأسف, يزين إعلاميا ويوجد له ألف مبرر. هكذا تغيب النتائج أو تُغيب ويركز على الإجراءات الشكلية لتبدأ لعبة الكراسي وتبادل المراكز ليكون ذلك غاية الإصلاح والتطوير. هناك عجز في فهم أن العمل الجماعي يحتاج إلى روح الفريق والنظرة المشتركة لتمارس السلطة الإدارية كدعم ومساندة للعاملين ونقلهم إلى مستويات أعلى وليس للتسلط وفرض الرأي الأوحد. إن أهم ما يفترض أن يفعله القائد الإداري في حال الإخفاق هو الاعتراف بإخفاقه وتحمل كامل المسؤولية بقدر الصلاحيات والأدوار التي منحت له لأداء المهمة. فالنتائج هي حصيلة قرارات متتالية تبدأ من القائد الإداري إلى أصغر موظف. ولأن قراره مرتبطا بالسياسات والاستراتيجيات والرؤية المستقبلية فهو الموجه العام لجميع الجهود والموارد وهو البوصلة التي يسترشد بها العاملون في أداء أعمالهم. ولذا فإن صح قرار القائد الإداري كان ذلك أدعى لتحقيق الإنجاز والنجاح وإلا فلا. ومن هنا كان لزاما على القائد الإداري المتميز تحمل المسؤولية في حال الإخفاق والإفصاح بالحقائق والإعلان بأن خطته لم تنجح. هذا ليس عيبا فأي عمل غير مضمون النجاح ومعرض للخطأ ولكن أن يصر على سداد رأيه حتى في حال الفشل فهذا ما لا يصح ولا يقبل. إن كثيرا ممن سجلوا أسماءهم بماء من نور على صفحات التاريخ لم يكونوا جميعهم ناجحين ولكن كانوا جميعهم صادقين مع أنفسهم ومع من حولهم وتحملوا مسؤولياتهم تجاه من عملوا لهم أو معهم. وتراهم وقد اجتهدوا وجدوا في الطلب وفعلوا الأسباب وأشركوا الآخرين في الرأي وعملوا بجماعية وتعاون ولكن ربما أخفقوا فتنحوا معتذرين إن لم يحققوا تطلعات من وثقوا بهم، مع أنهم غير ملومين بعد الاجتهاد، فكيف بأولئك الذين لم يجتهدوا ولم يفعلوا الأسباب ويعملوا العقل ويشركوا الآخرين فيخفقون ويلقون باللائمة على كل شيء ما عدا أنفسهم. المشكلة العظيمة عندما يعتقد المرء أن لا دخل له بالمشكلة! هذه هي جوهر المشكل الإداري والسبب وراء الكثير من المشاكل التنموية والإخفاقات الإدارية في القطاع العام.
اعتراف القائد الإداري بالخطأ فضيلة أخلاقية وإدارية وهي الخطوة الأولى والأهم في معالجة مشاكلنا في الإدارة العامة. الحديث عن الإصلاح والتطوير الإداري يفترض أن يبدأ باختيار القيادات الإدارية القادرة على فهم المتغيرات ورسم المستقبل وجلب الأفكار والبحث عن حلول جديدة والاعتماد على أسلوب المشاركة وبث روح الفريق. كما أن قياس أدائهم يجب أن يكون مبنيا على النتائج والنجاحات والإنجازات التي حققت وليس على أساس مدى تطبيقهم للإجراءات الإدارية والأعمال الروتينية. القائد الإداري الناجح يستطيع أن يقرأ المستقبل بل أن يصنعه ويعد العدة ويقلل من المفاجآت ويوجه الجهود نحوها. هناك في محيطنا المحلي قيادات ناجحة بكل المقاييس وهناك قيادات دون ذلك وهذا يفسر نجاح بعض المؤسسات العامة نجاح باهرا أسهم في تقدم مشروعنا التنموي وأخرى ما زالت منكفئة على ذاتها تدور في حلقة مفرغة يغيب عنها العمل المؤسسي ليجير الإنجاز للقائد الإداري وتنسب الإخفاقات لغيره وليصفق له من حوله ببلاهة ليتحول الإخفاق إلى إنجاز. الفوز ثقافة مبنية على الشراكة والتعاون والشفافية والإفصاح والتعلم والانفتاح والتحفيز والجد والالتزام. القيادات الإدارية التي تعجز عن فهم هذه القيم لا تحقق الفوز. لأن الإدارة ببساطة عمل الأشياء من خلال الآخرين وهذا يعني أن هناك سلسلة مترابطة من القرارات تبدأ برؤية صحيحة للقائد الإداري لما يجب عمله تقود نحو الإنجاز والفوز.