غاز الميثان بعد غاز ثاني أوكسيد الكربون في مفاوضات تغير المناخ
أبرز تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة تحت عنوان ''فجوة الانبعاث'' الفجوة بين تعهدات كوبنهاجن وهدف الحفاظ على درجات الحرارة العالمية أقل من درجتين مئويتين. حيث بين التقرير للرأي العام مدى التقدم الذي بلغته الاستجابة لمتطلبات تغير المناخ على مدى الأشهر الـ 12 الماضية، وكيف هو وضع العالم حتى الآن على المسار الصحيح لتحقيق أهداف أوسع نطاقا في هذا المجال.
في هذا الصدد، أكد التقرير لتحقيق هذا الهدف، فإن كمية انبعاث الغازات الدفيئة العالمية يجب أن تصل إلى الذروة قبل عام 2020 وتبدأ بعد ذلك بالانخفاض بصورة كبيرة، وبين أن التعهدات التي قطعت في قمة كوبنهاجن لتغير المناخ لا تحقق هذا الهدف؛ لذلك على الحكومات اتخاذ إجراءات أفضل من ذلك للحد من انبعاث الغازات الدفيئة. أحد الخيارات التي قدمها التقرير في هذا الجانب هي خفض انبعاث غاز الميثان بسرعة كبيرة. حيث إن هذا الغاز يتسرب من خطوط الأنابيب، مقالب القمامة، الأراضي الرطبة، حقول الأرز وحظائر ومزارع المواشي. وأشار التقرير أيضا إلى أن الاحتباس الحراري الذي يسببه غاز الميثان هو 25 مرة أكبر تأثيرا من غاز ثاني أوكسيد الكربون، فالتخلص من طن واحد من غاز الميثان يكافئ التخلص من 25 طنا من غاز ثاني أوكسيد الكربون على مدى 100 سنة أو 76 طنا على مدى 20 عاما، إضافة إلى العديد من المنافع الأخرى.
من ضمن الجهود المبذولة لخفض انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون، تطلع المفاوضون في الجولة الأخيرة من محادثات الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، التي انعقدت في كانكون - المكسيك، إلى أنواع أخرى من الغازات الدفيئة، بالذات تم الترويج لغاز الميثان.
وفقا لتقارير صحفية من اجتماعات كانكون في المكسيك، بعض الحكومات تنظر في فرض قيود على انبعاث الغازات من غير غاز ثاني أوكسيد الكربون، مثل غاز الميثان. لكن من المتوقع أيضا أن ينتهي هذا التوجه إلى الطريق المسدود نفسه الذي وصل إليه الدفع إلى خفض غاز ثاني أوكسيد الكربون CO2. حيث إن من الواضح جدا أن جميع هذه المقترحات تتطلب تضحيات كبيرة، عندها سيبدأ المتأثرون بالمطالبة بأجوبة مقنعة وصريحة عن سبب هذه التضحيات.
في حالة غاز ثاني أوكسيد الكربون كانت الإجابات مشوشة عن طريق توقعات مخيفة ينظر إليها بشكل متزايد على أنها مبالغ فيها. في أوروبا مثلا، يوجد دفع غير مبرر من قبل الحكومات نحو زيادة تكاليف الطاقة بصورة مطردة عن طريق فرض ضرائب تثقل كاهل المستهلك في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. في الولايات المتحدة، مقترح نظام الحد - والتجارة لخفض انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون قد توقف. حتى في أوروبا، الدعم الشعبي لمتطلبات العلاج القوي من جانب الحكومات قد تلاشى في ظل الأزمة الاقتصادية.
لقد أصبح واضحا ضعف الحجج ضد الاحتباس الحراري منذ العام الماضي ضمن محادثات الأمم المتحدة حول تغير المناخ في كوبنهاجن، والتي انتهت إلى الفشل في تحديد أهداف ملزمة لخفض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون. بسبب عدم الاتفاق في كوبنهاجن، فإن ما تردد على أنه نجاح في كانكون لا يعدو أكثر من كون المفاوضين اتفقوا على الاجتماع مرة أخرى. وهكذا وبعد أن تشتت الحجج على غاز ثاني أوكسيد الكربون، بدأ المفاوضون يحومون حول أنواع أخرى من الغازات الدفيئة للحد منها.
في هذا الجانب، يعتبر غاز الميثان الهدف المنطقي، حيث إن أثره على الاحتباس الحراري أقوى من غاز ثاني أوكسيد الكربون، على الرغم من أن وفرته ومدة بقائه في الغلاف الجوي أقل. ومثل غاز ثاني أوكسيد الكربون، معظم الزيادة في تركيز غاز الميثان في الغلاف الجوي تعزى إلى النشاط البشري، بما في ذلك تربية الماشية. وفقا لتقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة FAO تربية المواشي تولد انبعاث غازات دفيئة أكثر من ما يولده قطاع النقل والمواصلات بنحو 18 في المائة. كما أن زيادة الازدهار في مستوى المعيشة سيسهم في المزيد من استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان. في هذا الجانب تشير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إلى أن الإنتاج العالمي من اللحوم من المتوقع أن يزداد أكثر من الضعف في النصف الأول من القرن الـ 21 في حين يزداد حجم الإنتاج من الحليب ما يقرب من القدر نفسه.
وعند احتساب الانبعاث الناتج من استخدام الأراضي الزراعية وتغيير استخدام الأراضي لغير الزراعة، فإن قطاع الثروة الحيوانية الزراعية يتسبب بنحو 9 في المائة من انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون نتيجة النشاط البشري، 65 في المائة من أكسيد النيتروز، هو من الغازات الدفيئة أيضا، و37 في المائة من غاز الميثان. في هذا الجانب، أوصت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة باتباع عدد من الإجراءات، بما في ذلك التغيرات في استخدام الأراضي وتحسين كفاءة إنتاج الثروة الحيوانية وتغذية المحاصيل الزراعة وتحسين نظم الري. في حين ذهب البعض إلى أكثر من ذلك، حيث طالبوا بخفض استهلاك اللحوم، ذلك أن اللحوم تهدر المياه وتخلق الكثير من الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
وفي حالة عدم تمكن الأجندات الخاصة بالاحتباس الحراري من زيادة تكاليف الطاقة بشكل كافٍ للحد من انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون، فإنها بدلا من ذلك ستدفع إلى تغيير عادات الأكل عند الأشخاص الذين يحبون اللحوم. هذا الجهد بالتأكيد غير مجدٍ، حيث إنه عندما يدرك الناس طبيعة التضحية المطلوبة منهم في هذا الجانب، سيبدؤنا بالتساؤل مرة أخرى عن الأسباب وراء ذلك، من المتوقع أيضا أن يتلقوا إجابات غامضة وغير مؤكدة تصاغ على شكل تحذيرات لا أساس لها بالاحتباس الحراري. عند مرحلة معينة سوف لا يتقبلون الآملات التي تحدد لهم كيف يعيشون.
في هذا الجانب، لاحظت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة معضلة أخرى تواجه الحد من غاز الميثان الناتج من النشاط الزراعي، هذه المعضلة تتمثل بكون قطاع الماشية في العالم ينمو بمعدل أسرع من أي قطاع زراعي آخر، حيث يوفر سبل المعيشة لنحو 1.3 مليار نسمة ويسهم بنحو 40 في المائة من حجم الإنتاج الزراعي العالمي.
على الرغم من ذلك، يرى المفاوضون بشأن تغير المناخ أن غاز الميثان بديل مناسب لغاز ثاني أوكسيد الكربون كهدف لخفض انبعاث الغازات الدفيئة. لكن بسبب السياسات التي سوف تجبر الناس على تغيير أنماط حياتهم لأسباب غير مقتنعين بها بالكامل، ولأهمية قطاع الماشية في توفير الغذاء العالمي، فإن تحقيق الهدف الجديد لا يقل صعوبة عن سابقه.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.