رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل الإنفاق الحكومي سبب للتضخم؟!

هل الإنفاق الحكومي الخليجي (لنأخذ المملكة مثالا) سبب من أسباب التضخم؟
من المؤكد (يعني المسألة ليست وجهة نظر) أن الارتفاع الحاد لإنفاق حكومات مجلس التعاون خلال السنوات؟؟ سبب رئيس للتضخم، ولكنه ليس السبب الوحيد. والقول بأنه لا علاقة بين التضخم والإنفاق الحكومي والسياسة المالية غير صحيح بتاتا، ولا يقول به أي متخصص في الاقتصاد في العالم كله.
هناك عدة عوامل تسهم في التضخم الخليجي، ومنها انخفاض الدولار، ونمو الإنفاق الحكومي بحدة، بالنظر إلى وجود فوائض كبيرة في الإيرادات.
لماذا؟ لأن إنفاق الفائض سهل، لكن التعامل معه بقدر عال من الفعالية صعب حقا، والأنانية في البشر مصدر أساسي لهذه الصعوبة. وكما يعني المثل easy comes easy goes، تجنح الدول والأفراد عند تحقيق فوائض مداخيل مالية سريعة غير متوقعة تجنح إلى الإنفاق السريع.

كيف تكون علاقة الإنفاق الحكومي بالتضخم:
حيث إن التضخم يعني الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، وبعبارة مكافئة الانخفاض المستمر في قيمة النقود، فإن هناك قناعة بين الاقتصاديين في تحليلاتهم بأن التضخم (الداخلي، أي غير المستورد) ينشأ جراء تفاعلات بين متغيرات اقتصادية أهمها النقود (كميات النقود المتاحة بيد الناس، وبالذات النقود الورقية والحسابات البنكية)، والإنتاج طلبا وعرضا.

تسهيلا لنبدأ بعلاقة النقود
هناك علاقة ثابتة بين أربعة عناصر: الإنتاج Y، والمستوى العام للأسعار P، وكمية النقود المتاحة في الاقتصادM ، وسرعة دوران أو تداول الأيدي للنقود V.
والمعادلة التي تربط بين هذه المتغيرات هي:
PY = MV
وهذه المعادلة تعني أن كمية النقود الموجودة في اقتصاد ما مضروبة في سرعة دوران النقود = الأسعار مضروبة في كمية السلع والخدمات.
وتبعا لذلك لو ضربنا جميع الأسعار بالكميات المشتراة من السلع والخدمات (في اقتصاد ما مثل اقتصاد المملكة، وخلال فترة زمنية محددة عادة سنة)، فإن الناتج لا بد بالضرورة أن يساوي كمية النقود المتداولة مضروبة في سرعة دورانها.

علاقة الطلب
زيادة كمية النقود لا تأثير لها بطبيعة الحال في الأسعار إذا بقيت دون إنفاق، أما إذا تحولت إلى طلب (عبر تداول النقود v)، أي وجدت بيد الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات والمؤسسات الخاصة وأفراد المجتمع بغرض إنفاقها، فإنها وبصفة عامة وبعبارات مبسطة، ترفع مستوى الأسعار، عندما تكون نسبة الزيادة في كمية النقود أعلى من نسبة الزيادة في السلع والخدمات. أو ما معناه ''نقود كثيرة مقابل سلع قليلة''.
ارتفاع الطلب له أكثر من سبب وسبب، ولكن أقوى سبب في الدول النفطية الخليجية هو ارتفاع الإنفاق الحكومي. لماذا؟
لأن اقتصادات هذه الدول تعتمد بعد الله على النفط أكثر من غيره، وهذه مسألة معروفة للقاصي والداني.
ولكن كيف يكون هذا الاعتماد؟
عبر الإنفاق الحكومي، لأن إيرادات النفط في الدول الخليجية تتسلمها الحكومات، وليس القطاع الخاص، ولا تأثير لها في الاقتصاد المحلي دون أن تنفق.
الإنفاق الحكومي له تأثير مباشر وتأثير غير مباشر:
التأثير المباشر يأتي من زيادة الطلب الحكومي المباشر على السلع والخدمات.
التأثير غير المباشر يأتي من جراء اعتماد الأنشطة بعضها على بعض (الحكومة تشتري سلعا وخدمات، وتتعاقد مع مقاولين لتنفيذ مشاريع، وتقديم خدمات صيانة، وتدفع رواتب لموظفيها، وكل هؤلاء يشترون من مزودين آخرين وهكذا، في إطار مضاعفات).
خلال الفترة منذ 2004، ارتفع الطلب الكلي بسرعة أكبر من الإنتاج الكلي، وكان أحد أسباب انجذاب الأسعار إلى أعلى.
وبلغة الأرقام: توسع الإنفاق الحكومي توسعا كبيرا خلال الفترة 2004 ـــ 2010 بنسبة 120 في المائة تقريبا (من نحو 300 مليار ريال إلى نحو 650 مليار ريال)، وارتفع عرض النقود خلال الفترة نفسها بنسبة 110 في المائة (من نحو 500 مليار ريال إلى نحو 1150 مليار ريال)، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 18 في المائة تقريبا خلال الفترة نفسها (من نحو 720 مليار ريال إلى نحو 870 مليار ريال). ماذا يعني ذلك؟ توافرت السيولة، وتوسع الإنفاق الحكومي (وغير الحكومي) الذي بدوره زاد من كمية النقود في الاقتصاد، وكل هذا حدث بما يتجاوز بوضوح طاقة الاقتصاد الاستيعابية، أي نموه الحقيقي، وهذا سبب رئيس من أسباب التضخم. وتسهيلا، أضرب لذلك المثل البسيط التالي. لو كان هناك 100 ريال لإنفاقها على 10 لعب، وأصبح المبلغ 200 ريال، ولكن المتاح 15 لعبة فقط، والناس يرغبون في صرف المبلغ كله، فماذا سيحصل؟ من المؤكد أن سعر اللعبة سيرتفع.
أحد أهم أسباب كون طاقة استيعاب الاقتصاد دون المؤمل انخفاض الإنفاق الاستثماري الحكومي (مثلا على البنية التحتية ومشروعات المرافق العامة) من نحو 25 في المائة من مخصصات الميزانية في مطلع الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي إلى نحو 7 في المائة في أواخر التسعينيات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي