يوسف نعمة الله.. رائد المدرسة الاقتصادية السعودية الأولى
في الثمانينيات الهجرية بدأت قوافل علماء الاقتصاد السعوديين تصل إلى أرض الوطن مقبلة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بعد أن أنهت المتطلبات العلمية للحصول على درجة الدكتوراة.
ويومها كتب وزير التعليم العالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ، رحمه الله.. مقالا لافتا نشره في جريدة "البلاد" بعنوان (حملة الدكتوراة.. بلغوا التسعة) وكان المقال يحمل إحساسا بالفرح لمشروع وضعت له الدولة كل إمكاناتها وجهودها حتى تكلل بالنجاح.
وكان الوزير الرائع حسن آل الشيخ يقصد أن عدد السعوديين الحاملين لشهادة الدكتوراة قد بلغوا تسعة دكاترة، وكان في مقدمة هؤلاء التسعة الاقتصادي الدكتور يوسف بن عبد الوهاب نعمة الله، وعلى الفور صدر قرار تعيين يوسف نعمة الله مدرساً لعلوم الاقتصاد في كلية التجارة (كلية العلوم الإدارية) في جامعة الملك سعود في الرياض .
ولما كان النجاح حليف هذا المفكر الاقتصادي السعودي الذي أخذ يرتقي فكرا وأداء، فقد أصدرت جامعة الملك عبد العزيز في جدة قرارا بأن يقوم الدكتور يوسف نعمة الله بتدريس مادة النقود والبنوك في كلية الإدارة والاقتصاد في كل يوم أربعاء من الأسبوع، جنبا إلى جنب مع قيامة بتدريس مبادئ الاقتصاد في جامعة الملك سعود.
ولقد استطاع الدكتور يوسف نعمة الله مع زملائه الاقتصاديين من أعضاء هيئة التدريس في جامعتي الملك سعود والملك عبد العزيز أن يضعوا أسس بناء الفكر الاقتصادي السعودي الحديث.
ومن تحت عباءة الدكتور يوسف نعمة الله تخرج عدد كبير من المفكرين الاقتصاديين الذين يقومون الآن بدورهم الرائد في إثراء الفكر الاقتصادي السعودي وبناء أسسه وقاماته، ونذكر منهم، على سبيل المثال، الدكتور فاروق الخطيب، الدكتور عمر باقعر، الدكتور عبد الرحيم ساعاتي، الدكتور أسامة فلالي، الدكتور عبد الجليل طاشكندي، والدكتور محمد الصبان وغيرهم كثير.
إن حياة الدكتور نعمة الله لم تكن مفروشة بالورود، ففي حياته الكثير من المحطات التي يجدر أن نقف عندها لنقدم الدروس والعبر لكل الشباب السعودي، لقد كان الفتى الصغير ينحدر من عائلة فقيرة تسكن حواري جدة القديمة وكان الصبي يعمل نجارا في الصباح ويدرس في المدارس المسائية حتى بلغ الثانوية العامة، وفي سنة من السنوات فوجئ أهالي حارة العلوي في مدينة جدة. إن اسم ابنهم الطالب المسائي يوسف نعمة الله واحد من العشرة الأوائل الذين حجزت لهم الحكومة الرشيدة مقعدا في الجامعة الأمريكية في بيروت، ويومها فقط اعتزل النجارة وغادر حواري جدة وخلع الفوطة والكفية ولبس التي شيرت والجينز وأصبح طالبا متفرغا في جامعة أمريكية من أرقى الجامعات في منطقة الشرق الأوسط.
وحينما عاد يحمل درجة البكالوريوس عين يوسف نعمة الله معيدا في جامعة الملك سعود، ثم ابتعثته جامعة الملك سعود إلى جامعة بوسطن الأمريكية، وحينما أنهى دراسته عرضت عليه الجامعة أن يبقى مدرسا فيها ولكنه قال بكل ثقة إن وطني أولى بي وأنا ذاهب إلى حبي الكبير. وكان الدكتور يوسف نعمة الله في كل مراحل دراسته على موعد مع الامتيازات ومراتب الشرف، ومكث في جامعة الملك سعود حتى منصب عميد كلية التجارة .. وحينما أرادت سلطنة عمان أن تعيد هيكلة اقتصادها الوطني طلبت من شقيقتها المملكة العربية السعودية خبيرا سعوديا "قدها وقدود" فكان الاختيار من نصيب الدكتور يوسف.
ومع بدء طلائع عصر التنمية واعتماد تنفيذ أول خطة للتنمية في عام 1390هـ (1970م) اتجهت وزارة المالية والاقتصاد الوطني نحو أساتذة الجامعات لاستقطاب الكفاءات المتخصصة للعمل في الوزارة، وكان الدكتور يوسف نعمة الله من أوائل الذين أصدر الأمير مساعد بن عبد الرحمن قرارات الانتقال للعمل في وزارة المالية والاقتصاد الوطني حتى تولى وظيفة وكيل وزارة للشؤون الاقتصادية. ومع تزايد معدلات إيرادات النفط، احتل الاقتصاد السعودي مكانة مرموقة بين كل اقتصادات الدول في منطقة الشرق الأوسط ، وهكذا أخذ دور المملكة العربية السعودية يكبر على صعيد الاقتصاد الدولي وبدأت ملامحها التنموية تزداد وتحتل مكانة بارزة على مستوى الاقتصاد الدولي وعندذاك قرر معالي الأستاذ محمد أبا الخيل وزير المالية والاقتصاد الوطني أن يتقلد الدكتور يوسف نعمة الله وظيفة مندوب المملكة وممثلها الدائم لدى صندوق النقد الدولي، وظل الدكتور يوسف في منصبه الدولي في صندوق النقد الدولي لـ 15 سنة، ولكن بعد تحرير الكويت لعبت المملكة دورا رئيسيا في دفع جامعة الدول العربية بتفعيل آليات العمل الاقتصادي المشترك، وكانت التوجهات الإقليمية والدولية آنئذ تتجه إلى قيام التكتلات الاقتصادية كالاتحاد الأوروبي ونافتا وآسيان حتى منظمة التجارة العالمية WTO.
وهنا يقفز مرة أخرى اسم الدكتور يوسف نعمة الله من بين الأسماء اللامعة وتقدمه المملكة ليتقلد منصب الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية، وكانت أولى الخطوات التي قرر أن يقوم بها الاقتصادي السعودي المبدع هو أن يعيد الروح إلى اتفاقية الوحدة الاقتصادية التي أقرها مجلس الجامعة في عام 1950م ولكـن، للأسف، ظلت هذه الاتفاقية حبيسة الملفات ولم تر النور طوال 55 عاما.
ومنذ اللحظة التي تسلم فيها الدكتور يوسف نعمة الله مهام عمله أمينا عاما مساعدا لجامعة الدول العربية .. قام بوضع آليات تنفيذ هذه الاتفاقية وكان يقول إن الألم يعصرني لأن العرب فوتوا مئات الفرص واهتموا بالشعارات والمزايدات ودفعوا الأثمان باهظة حتى ضاعت الفرص وأصبح الاقتصاد العربي يعاني من التخلف والقصور.
وفعلا حينما كان الدكتور يوسف يقوم بإدارة الاقتصاد العربي .. حققت الجامعة العربية على الصعيد الاقتصادي خطوات محسوبة إلى الأمام، ولكن نظرا لأن الإرادة السياسية العربية هي التي تهيمن على كل التوجهات فقد اختلف الدكتور نعمة الله مع توجهات الدكتور أحمد عصمت عبد المجيد، ولم يكن أمام المفكر الاقتصادي إلا أن يبقى في محراب الاقتصاد ويبتعد عن السياسة ويذهب ليتفرغ إلى مصرفه الذي وضع فيه عصارة تجاربه وخبراته حتى أصبح مصرف إنجاز إحدى القواعد الأساسية التي قام عليها بنك البلاد الناشئ.
وبالأمس القريب أنهى الأستاذ الدكتور يوسف نعمة الله كل مهماته في دنيانا، وغادر كوكب الأرض إلى عالم الآخرة بعد أن أدى الرسالة كاملة وأدى الأمانة على الوجه الأكمل.
رحم الله الأستاذ المربي الفاضل الدكتور يوسف بن عبد الوهاب نعمة الله رحمة واسعة وألهم أهله وإخوانه وأصدقاءه الصبر والسلوان. و"إنا لله وإنا إليه راجعون".