سلمان بن عبد العزيز.. والإدارة المحلية
القيادات وأسلوبها في الإدارة وصنع القرار هي من تبعث الحياة في النظام أيا كان نوعه اجتماعيا، إداريا، أو سياسيا، وتمنحه اللون والنكهة الخاصة به والتفرد بشخصية تصنع له التميز. هي قيادات من نوع خاص ومميز تمتلك قدرات وإمكانات استثنائية من الصعب وصفها أو تصنيفها على وجه الدقة، يمكن إدراكها فقط بالمشاهدة حين يقوم القيادي بممارسة صنع القرار ليسترعي انتباه من حوله ولتصيبهم الدهشة، ويتساءلوا بتعجب: كيف يمكنه عمل ذلك بكل احترافية ومهنية، ولكن بعفوية ووضوح وحضور وهيبة وطاقة متجددة؟! هذه السمات مقصورة على من وهبهم الله قوة الحضور، والشخصية المؤثرة، وسعة الأفق، وبعد النظر، والحكمة في موازنة الأمور، والحزم دون شدة، والالتزام وطول النفس، وتوليد الأفكار، وخلق مناخ يحفّز الآخرين على العمل الإبداعي. كل ذلك يصبّ في اتجاه إحداث التغيير للأفضل والقيادة نحو استكشاف حدود جديدة والوصول إلى حيث لم يصل أحد من قبل أو أن يسبقه لذات التفكير البعيد. إنها القيادة التحويلية التي لا تستكين للرتابة ولا تأنس لتطبيق المعتاد، وإنما في تحدٍ دائم مع النفس من أجل تحقيق الأفضل، وتحدٍ مع المستقبل المجهول لسبر أغواره والبحث عن فرص جديدة.
الأمير سلمان أحد القيادات الفذة التي تمتلك تلك السمات القيادية المميزة، فخلال خبرته في الحكم المحلي والتي تمتد إلى نحو 50 عاما ونيف، أثبت قدرة فائقة على التعاطي مع قضايا محلية ووطنية متعددة ومتنوعة ومعقدة، والتعامل مع فئات المجتمع المختلفة تعليما وثقافة، وله مع كل فن النصيب الوافر، حتى لتخاله بعمق تحليله ودرايته في مجالات شتى أنه متخصص في قضية دون قضية وفي فئة اجتماعية دون أخرى، يتحدث عن الجزئيات فيبهرك بأدق تفاصيلها، ثم ينقلك إلى الكليات ليفاجئك بعمق رؤيته المنهجية وفلسفته في الحياة والحكم والإدارة. والحقيقة أنه ببصيرته السياسية، وعقليته المستنيرة، وقوة بديهته، وثقافته الواسعة، وقدرته على قراءة الأشخاص بسرعة قراءته للتقارير، تمكَّن من وضع بصمته المميزة في الإدارة والحكم المحلي؛ ولذا استحق لقب ''رائد الإدارة المحلية'' عن جدارة واستحقاق وتميز. فهذه الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض إحدى أهم العلامات البارزة في تاريخ الإدارة المحلية السعودية، هي من بنات أفكاره وإبداعاته الإدارية ونهجه في العمل بروح الفريق، تقف شاهدا على رؤيته الثاقبة ودرايته في العمل المحلي. إنها بحق تعد نموذجا لصناعة القرار المحلي، وأسلوبا جديدا في صياغة الاستراتيجيات التنموية المحلية والعمل الحكومي المشترك، وتفعيل دور القطاع الخاص في خدمة المجتمع. لقد كانت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بمثابة الجسر الذي تمكنت العاصمة الرياض، وهي تسابق الزمن من العبور فوقه والانتقال إلى مرحلة أعلى من التطور الحضري والعمراني، بعدما كانت مدينة صغيرة ضئيلة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
فكر الأمير سلمان وأسلوبه القيادي المميز وشخصيته القوية الجذابة وحضوره المؤثر، لم يكن ليستوعبه نطاق الجغرافيا الضيق في حدود منطقة الرياض التي يديرها كحاكم إداري متمكن، ولا حتى نطاق الوطن السعودي بإسهاماته العظيمة في إدارة الشأن الداخلي، التي ربما خفيت عن الكثيرين؛ لأنه يؤثِر العمل بصمت الحكمة دون ضجيج إعلامي، همه تحقيق المصالح العليا للوطن والحفاظ على ثوابته ومنجزاته وتوازنه واستقراره. لقد تجاوز صيته حدود الوطن ليشمل الوطن العربي الكبير، وراحت سمعته الطيبة تسبقه في كل مكان، فها هي المنظمة العربية للتنمية الإدارية تطلق جائزة بمسمى ''جائزة الأمير سلمان للإدارة المحلية''؛ اعترافا وتقديرا لسموه كأحد أبرز رواد الإدارة المحلية في الوطن العربي. سعي المنظمة لأن تحمل الجائزة اسم الأمير سلمان يؤكد مرة أخرى، أن خبرته السياسية وتجربته الإدارية وشخصيته القيادية محل تقدير واحترام على مستوى العالم العربي، وأن اسمه ونهجه في الإدارة المحلية يرتقي بالجائزة ويلفت الانتباه إليها، وأن التجربة السعودية في الإدارة العامة والتنمية المحلية، وعلى وجه الخصوص تجربة إدارة العاصمة الرياض، متميزة وتستحق الاستفادة منها في إدارة المدن العربية، وهو ما أشار إليه الدكتور رفعت الفاعوري مدير عام المنظمة العربية للتنمية الإدارية في معرض الكلمة التي ألقاها بهذه المناسبة، حين قال: ''وأود أن أوجّه عظيم التقدير والامتنان للأمير سلمان بن عبد العزيز على قبوله تبني جائزة الأمير سلمان للإدارة المحلية على مستوى الوطن العربي؛ ليكون نهجه الإداري، وأسلوبه القيادي، نبراسا للقيادات الإدارية المحلية العربية الشابة''.
هكذا؛ إذ يسترعي الأمير سلمان انتباه الجميع بسمته الشخصي وسماته القيادية ليملأ المكان بحضوره المتوهج، ربما كان هذا هو السر وراء شعبيته الغامرة ومحبة الناس الكبيرة، أو لربما كان لجانبه الإنساني في البذل والعطاء وتسهيل أمور المحتاجين في الداخل والخارج بعيدا عن الأضواء، أو لعله، تفانيه ودقته في العمل بكفاءة وفاعلية منقطعة النظير وحرصه على أن يكون قدوة للجميع في الانضباط والالتزام بتطبيق النظام، حتى أنه يباشر العمل في مكتبه قبل السابعة والنصف صباحا! أم تراه، علمه الغزير بتاريخ الدولة السعودية السياسي والاجتماعي، ومعرفته بالأسر والأنساب، وإلمامه بالأحداث وقدرته على تحليلها والربط بينها؛ ما مكّنه من إقامة شبكة من العلاقات الوثيقة مع جميع فئات المجتمع في جميع مناطق السعودية دون استثناء. هذه أمور تعلمها في مدرسة الملك المؤسس الحكيم - يرحمه الله - وصقلتها التجارب الثرية والخبرة الطويلة والاطلاع الواسع؛ ليكون ذلك المزيج الفريد لشخصية مميزة تجمع بين التمسك بالتقاليد العريقة بقيمها وأعرافها، وفي ذات الوقت التطلع نحو المستقبل والرغبة في التجديد كإنسان عصري يسعى لمواكبة المستجدات وتوظيف التقنية المتقدمة، وأساليب الإدارة الحديثة؛ من أجل التطوير والارتقاء بالمجتمع. هذا التوازن بين الأصالة والمعاصرة هو معادلة النجاح وسر تألقه كقيادي فذ، نذر نفسه للعمل العام وما ينفع الناس؛ لتكون الإدارة وممارسة السلطة من أجل الناس وهذه قمة العطاء. إنه بحق رائد الإدارة المحلية بلا منازع. سلمت أبا فهد ذخرا للوطن والمواطنين وأمدك الله بعونه وتوفيقه ومتَّعك بالصحة والعافية؛ لنسعد دوما بحضورك القوي وفكرك النير.