مستقبل استخدام الغاز الطبيعي في مجال النقل والمواصلات (2 من 2)
في المقال السابق أشرنا إلى أن الوقود النفطي كان دائما يهيمن على قطاع النقل والمواصلات وأن سياسات الدول المستهلكة للنفط، وخصوصا في الولايات المتحدة تعتمد ثلاث مبادرات رئيسية للحد من استخدام النفط في قطاع النقل، تحسين كفاءة استخدام الطاقة، التوسع في استخدام الوقود الحيوي وتطوير بطاريات فعالة.
وبالتالي إدخال السيارات التي تعمل بالغاز الطبيعي على نطاق واسع في قطاع النقل يجب ألا يقاس فقط في إطار الحد من استهلاك النفط، لكن أيضا في إطار البدائل المنافسة الأخرى التي تعمل على الحد من استخدام النفط. التوسع الكبير في استخدام السيارات التي تعمل بالغاز الطبيعي يجب أن ينظر إليها في سياق ظاهرة ذروة النفط الطلب التي تشهدها جميع الدول المتقدمة في العالم. الطلب العالمي على النفط ينمو مرة أخرى، خصوصا في الأسواق الناشئة، حيث يتحول الاقتصاد العالم من حالة الركود إلى الانتعاش. لكن ليس من المرجح أن جميع الانخفاض في الطلب على النفط في الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية سيعود مرة أخرى بعد تعافي الاقتصاد، حتى على المدى البعيد. في الواقع العديد من المحليين والمختصين ينظرون إلى سنة 2005 على أنها سنة الذروة في الطلب على النفط في الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية، حيث إن هذه الدول بدأت منذ زمن تطبيق سياسات خاصة لتقليل الاعتماد على النفط والبحث عن بدائل، وخصوصا في قطاع النقل والمواصلات. على سبيل المثال، الطلب على البنزين في الولايات المتحدة قد وصل ذروته تقريبا بالتأكيد في عام 2007 وهو الآن، وعلى الرغم من تعافيه بصورة مؤقتة بعد الخروج من الركود الاقتصادي، في حالة تراجع دائم.
السيارات التي تعمل بالغاز الطبيعي اخترقت بنجاح أسواق السيارات في العديد من البلدان في العالم، حيث ارتفع إجمالي أسطول النقل العالمي للسيارات العاملة بالغاز من نحو 1.3 مليون سيارة في عام 2000 إلى نحو 9.6 مليون سيارة في عام 2008، أي نحو 1.2 في المائة من أسطول السيارات الخفيفة في العالم المقدر بنحو 828 مليون سيارة، حسب رابطة صانعي الوقود العالمية. معظم هذه السيارات هي في المقام الأول سيارات أجرة وسيارات ركاب أخرى في آسيا وأمريكا الجنوبية، وأخيرا هناك مؤشرات على تسجيل عدد من السيارات العاملة بالغاز في إيطاليا، ذلك بسبب المكاسب التي من الممكن أن تحققها هذه السيارات من الإعفاءات الضريبية والحوافز الأخرى الكبيرة التي تقدمها الحكومة. من مجموع المركبات العاملة بالغاز المضغوط في جميع أنحاء العالم، 48 في المائة منها في أمريكا الجنوبية فقط. الأرجنتين والبرازيل لديهما أكبر أسطول من المركبات العاملة بالغاز المضغوط، معظمها مستخدم كسيارات للأجرة، خصوصا في المدن الكبرى، حيث إن في الأرجنتين توجد 1.69 مليون مركبة تعمل بالغاز المضغوط، أي نحو 18 في المائة من إجمالي عدد المركبات العاملة بالغاز في العالم، تليها البرازيل بنحو 1.56 مليون مركبة. أما في أوروبا، فإيطاليا تملك معظم المركبات العاملة بالغاز المضغوط، وتحتل المرتبة الرابعة عالميا في هذا المجال. كما تستخدم المركبات العاملة بالغاز المضغوط في كل من إيران، باكستان، بنجلادش، والهند، وفي الولايات المتحدة يقدر عدد السيارات العاملة بالغاز الطبيعي بأقل من 200 ألف مركبة.
السؤال الآن هو هل يمكن أن ينمو عدد السيارات العاملة بالغاز الطبيعي بصورة كبيرة في الولايات المتحدة من العدد المتواضع حاليا؟ ما تأثير ذلك على الطلب على الغاز الطبيعي هناك؟
تشير إحدى الدراسات في هذا المجال إلى أنه على افتراض تحويل جميع أسطول نقل المركبات الخفيفة الحالي في الولايات المتحدة والمقدر بنحو 240 مليون سيارة على الفور إلى استخدام الغاز الطبيعي المضغوط بمتوسط معايير الاقتصاد نفسها في استهلاك الوقود الحالية، فإن الطلب على الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة سيرتفع بنحو 36 مليار قدم مكعب في اليوم، أي بزيادة تقدر بنحو 60 في المائة من المستويات الحالية لاستهلاك الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي. هذا من شأنه أن يعوض عن نحو سبعة ملايين برميل يوميا من استهلاك البنزين. لكن الدراسة تستدرك بأنه لا يمكن أن يتم ذلك على الفور، حتى من الناحية النظرية إن الأمر سيستغرق عقودا طويلة من الزمن لإنجاز ذلك وسيتطلب في الوقت نفسه ثقة تامة على المدى الطويل بأن إمدادات الغاز الطبيعي ستكون كافية في المستقبل. حجم مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية، خصوصا من صخور السجيل الغازي من الممكن أن تدعم هذا التحول.
لكن هناك عددا من التحديات يجب التغلب عليها أولا إذا ما أريد للغاز الطبيعي أن يخترق أسواق وقود النقل بدرجة كبيرة. حيث إن لتحقيق حتى 10 في المائة تحول في أسطول سيارات الركاب والشاحنات الصغيرة لتعمل بالغاز الطبيعي بحلول عام 2020، يتطلب الأمر رفع إنتاج السيارات العاملة بالغاز من نسبة تقترب من الصفر حاليا إلى 25 في المائة بحلول عام 2020. مع ذلك تأثير ذلك على الطلب على الوقود سيبقى محدودا. إذا ما تحققت هذه النسبة، فإن الطلب على البنزين في الولايات المتحدة سينخفض بأقل من 0.5 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل نحو 5.5 في المائة من استهلاك البنزين في الولايات المتحدة و2.7 في المائة من إجمالي الطلب على النفط في الولايات المتحدة. في الوقت نفسه الطلب على الغاز الطبيعي سيرتفع بنحو 2.5 مليار قدم مكعب في اليوم. حتى هذا، مع ذلك، سيتطلب تحولا كبيرا جدا في الصناعة والبنية التحتية، والتكاليف ستكون كبيرة.
الاهتمام بالسيارات التي تعمل بالغاز الطبيعي ليس جديدا، حيث يعود إلى سبعينيات القرن الماضي وتجدد مرة أخرى في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وفي كلتا الحالتين تلاشى، لثلاثة أسباب رئيسية: عدم وجود بنية تحتية للتزود بالوقود، المسافة المقطوعة في السيارات العاملة بالغاز الطبيعي أقل من السيارات العاملة بالبنزين بسبب محتوى الطاقة، حيث إن محتوى الطاقة للغاز الطبيعي المضغوط مقاس بمليون وحدة حرارية بريطانية في جالون بنزين مكافئ 70 في المائة أقل من البنزين أو الديزل. أخيرا تكلفة سيارات الغاز الطبيعي أكثر مقارنة مع مركبات البنزين، خصوصا إذا ما كانت المركبة مزدوجة الوقود.
مع كل هذه التحديات تتوقع رابطة صانعي الوقود العالمية، النمو السنوي للسيارات العاملة بالغاز الطبيعي سيكون في حدود 18 في المائة، أي سيكون هناك أكثر من 65 مليون سيارة عاملة بالغاز بحلول عام 2020، وهو ما سيمثل نحو 9 في المائة من عدد المركبات العاملة في العالم، وإن هذه الزيادة من المتوقع أن تحد من الطلب على النفط بنحو سبعة ملايين برميل يوميا، حسب توقعات تلك الرابطة. وتشير الرابطة نفسها إلى أن كثيرا من الشركات المنتجة للغاز وكذلك تلك العاملة في مجال توصيل ونقل الغاز، تتوقع أن الاستهلاك العالمي للمركبات العاملة بالغاز الطبيعي سيكون في حدود 400 مليار متر مكعب في السنة بحلول عام 2020، أي نحو 16 في المائة من إجمالي الطلب العالمي على الغاز اليوم.
أما في الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن المركبات العاملة بأنواع الوقود البديلة جميعها ستمثل نحو 10 في المائة من مجموع المركبات العاملة في الولايات بحلول عام 2020، في ذلك الوقت من المتوقع أن يصل إجمالي عدد المركبات إلى نحو 286 مليون مركبة، ذلك حسب توقعات وزارة الطاقة الأمريكية US Department of Energy. ولتحقيق هذا الهدف، فإن حكومة الولايات المتحدة ستقوم بتقديم حوافز، بما في ذلك ائتمانات ضريبة في حدود 50 سنتا/ جالون إلى وقود الغاز الطبيعي المضغوط ووقود الغاز الطبيعي المسال.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.