الاقتصاديات النفطية.. زحف نحو الجريمة
قرأت قبل عدة أسابيع مقالة حول الجريمة في فنزويلا، وبدأ المقال بسؤال حول ما هي أكثر البلاد التي شهدت ضحايا قتل داخلي؟ هل هي العراق أم فنزويلا؟ والنتيجة أنه في عام 2009 كان عدد القتلى في فنزويلا يفوق ضعف القتلى في العراق مع تقارب أعداد السكان في البلدين. مثال أقرب أتى من الكويت حينما هاجمت مجموعة كبيرة قناة تلفزيونية مرخصا لها رسميا بالعمل في الكويت. ما يجمع هذه البلدان هو الاعتماد على تصدير النفط كممول رئيس لميزانيتها وقلة عمق اقتصادياتها وتغلغل العلاقات النابعة من السياسة والعلاقات الشخصية كمصدر للرزق على حساب العمل الاقتصادي (تجاري أو صناعي أو زراعي أو معرفي) الشريف. هذا التغلغل يحل سريعا مكان الإنتاجية والمعرفة والمنافسة. هذه الوضعية تجعل العربة أمام الحصان، فبدلا من حصان التنمية والتقدم الاقتصادي تكون العلاقات الشخصية والسياسية هي الشغل الشاغل للكل. مع الوقت يبدأ تكون أنماط محددة من الإدارة الاقتصادية والاجتماعية لها خصائص طاردة للمنافسة والكفاءة والفعالية.
هذه الأنماط تقود المجتمع تدريجيا إلى المراهنة على الكسب المالي القصير الأجل، والإحساس العام أن التعليم والمعرفة ليسا من أولويات المجتمع. يقابل ذلك حقيقة أن المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي هو الإنتاجية المبنية على الخبرة التراكمية والمراهنة على المدى البعيد والمعرفة ذات العلاقة والتعليم المجزئ معرفيا ومهنيا. استطاعت الدول المعتمدة على النفط عدا النرويج إيجاد نظام في جوهره اشتراكي لا يعترف باشتراكيته ورأس مالي في كل ما يحيط بهذا الجوهر. فهو اشتراكي يسمح لمن له علاقة قوية بأخذ نصيبه من الجوهر الاشتراكي ـ أي السماح للأفراد النافذين بالأخذ من حصة العامة تحت مسمى أنه يأخذ بنظام السوق. هذا يجر إلى الحقد والغيرة في المجتمع والقيل والقال على حساب العمل. هذا التآكل المجتمعي يقود تدريجيا للجريمة. الفضاء الأخلاقي للجريمة يكبر ويتوسع بحكم تغلغل عقلية الاعتماد على الحكومة والتشكي المستدام. مع الوقت يستقر المجتمع على حالة من التوجس والانتظار لأنه ليس هناك شيء مستدام يعتمد عليه. المسافات التي بين الناس بحسب الكفاءة والجهد تقل على حساب تقاربها بسبب الفساد والاتكالية.
الخطر يكبر كلما زادت المراهنة على أن المال وليس الإنتاجية هي التي تملك زمام القيادة، ولذلك حان الوقت لتعديل هذا النموذج بخطوات جريئة تعيد الهيبة للمعرفة والعلم والإنتاجية والمبادرة الفردية في الأعمال الحرة. النظام الاشتراكي يجر إلى الفساد وقلة الإنتاجية والتقهقر الاقتصادي ولكنه أخطر حينما يسوغ على أنه نظام سوق.
المراهنة على إعادة تركيب نموذج جديد مهمة شاقة وشبه مستحيلة دون تغيير عنيف في هذه المجتمعات. والسبب أن المراقب يطالبها بالأصعب مقارنة بالسهل المتوافر والمراهنة على المدى الطويل والتضحية بالمدى القصير، وهذه ضد الغرائز الإنسانية الأولية. ولذلك ستستمر الجريمة تزحف في هذه المجتمعات على خلفية تركز الثروة في أيد قليلة وانحسار الطبقة الوسطى تدريجيا.