رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أكبادنا التي تمشي على الأرض

قال جدنا الشاعر العظيم حطان بن المعلى:
"وإنما أولادنا بيننا/ أكبادنا تمشي على الأرض"
وما زال الأمر كذلك. وما استجد هو أن الآباء والأمهات في هذا الزمن يشكون من الأبناء مر الشكوى فقد أصبحت مطالبهم ملحاحة وبلا نهاية، ما إن نفرغ من تنفيذ رغبات بعينها حتى يأتوا برغبات جديدة، ونحن كالمسخرين أو المخدرين نستجيب على مضض. وعوضا عن أن نقود أطفالنا إلى ما نظنه في صالحهم صرنا ننقاد لهم على نحو يكاد يطيح بكل هيبتنا ووصايتنا عليهم.
هذه المعضلة تتفاوت شكاية الآباء والأمهات منها، لكنها ظاهرة ما عاد بالإمكان إدارة الظهر لها ولا إنكار معاناتنا منها. وهي ليست وليدة اليوم. إنها ابنة ماضينا القريب، وبالتالي فنحن الذين ورطنا أنفسنا فيما نحن فيه، دون قصد منا، لأننا ترعرعنا في ظل آباء وأمهات الصرامة والأمر والنهي ونشأنا في أزمنة الشح وإرهاصات المدنية. دفع بنا أهلنا إلى المدارس الحكومية وهم يعولون علينا. لم نكن بالنسبة لهم مكلفين ماديا أو نفسيا. لم تكن لنا مطالب تذكر غير حذاء ورداء وقلم ودفتر للعام كله أو ما شابه ذلك. أما المصروف اليومي للمدرسة فلا يتجاوز الأربعة قروش ومعظمنا يدس له أهله قطعة رغيف في جيبه أو حفنة من التمر. نعود من مدارسنا نلتهم ما تيسر من طعام دون أدنى أمل في غيره ثم تتخطفنا أزقة الحارات لنقضي فيها أوقاتنا حتى يجن الليل.
لم يكن الواحد منا يجرؤ على مناقشة أبيه فما بالك بمقاطعته ودع عنك الاعتراض. بل إن الكثيرين يتحاشون النظر إليه وبعضنا يفر من وجهه ساعة يسمع صوته داخلا البيت أو متيقظا من نومه. وحين يأتي الضيوف نصبح نحن الخدم والحشم. نقف نصب القهوة والشاي دون أن تطرف لنا عين. نهش الذباب والحر عن رؤوس الجالسين فيما تقوم الفتيات بمهام الطبخ والنفخ والكنس والغسيل والحلب والتعليف يركضن بين أيادي الأمهات يلبين ما يُطلب منهن على الفور بترحاب وخفر.
تلك البيئة الصارمة الشحيحة هي ما يسكن في لا شعورنا. هي ما تغلغل في أحاسيسنا وهي ما يسطع رغما عنا في ذاكرتنا، لذلك حين فوجئنا بأبوتنا وأمومتنا مع ما أصبناه من علم ووعي صرنا حريصين على تجنيب أبنائنا ما عانيناه أو حُرمنا منه. وقعنا في فخ طراد مع مستلزمات المدارس اليومية والملابس وشؤونهم الأخرى من الألعاب الإلكترونية، فيديو، دي. في. دي، استريو، الآي بود، اللاب توب الهدايا، الملاهي، الحفلات، الوجبات السريعة وحتى الغرف الخاصة والعمالة المنزلية والترحال بهم إلى أصحابهم وإلى بيوتهم وبرامج العطلات والسفر .. إلخ. صرنا مستنزفين أبدا مبحوحي الصوت، ناشفي الريق، مشتتين ذهنيا وعاطفيا، إن رفضنا وقعنا في عتمة الكدر، وإن استجبنا، فالمزيد من الطلبات في انتظارنا.
عبثا نحاول فرملة طلبات أبناءنا وحتى لو فعلنا فسرعان ما يتلبسنا هاجس غامض بين الشفقة وبين المجاراة بأنهم مثل غيرهم وليسوا أقل من الآخرين. فنعاود وضع أنفسنا في تصرفهم على نحو ننسف به كل حزمنا وقراراتنا التي كنا قد صرخناها في وجوههم مرارا حتى باتوا على يقين بأن ما نقوله لن يعدو كونه نزوات غضب عابرة ثم تعود حليمة لعادتها القديمة!!
إنني أصف ما أراه ولا أملك حلولا، وأصر على أننا نحن مسؤولون عما نعانيه مع أولادنا. إلا أنني أجد لأنفسنا بعضا من العذر، ذلك أن أمورا كثيرة قد استجدت علينا وواجهتنا ولم نكن نعرف لها مخرجا، فلا مدارسنا ولا جامعاتنا أسست فينا بنية معرفية أو زودتنا برؤى وآليات تربوية لكيفية التعامل مع أبنائنا أطفالا ومراهقين. كذلك ظلت المؤسسات الاجتماعية شبه غائبة عن حياتنا فليس هناك هيئات تهتم ببناء الأسرة بشكل مباشر عملي ولديها علاقة معنا في ضوء المتغيرات الحضارية وتحديات العصر لتسعفنا وتأخذ بأيدينا تربطنا بها ثقافيا وإعلاميا وميدانيا، تمتد إلى بيوتنا ومكاتبنا، تضع بين أيدينا الكتب والإرشادات العلمية لكيفية التعامل مع الأبناء في ظل المتغيرات السريعة التي زلزلت القيم والأعراف وتركتنا نجدف في اجتهادات رجراجة بين الرغبة في ظهورنا بمظهر المتحضرين وبين تلوث ذواتنا وحاجتنا نحن إلى التصالح مع العصر أسوة بالشعوب التي أحرزت إنجازا في هذا المجال. ألسنا نرى كيف تتعامل الشعوب المتقدمة مع أبنائها كما لو كانوا ناضجين؟ ألسنا نرى أطفالهم ومراهقيهم منضبطين دون دلع أو تميع؟ ألا، كيف السبيل إلى ذلك؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي