رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


هل تضرر الطلبة وأسرهم من توقيت الاختبارات الأخيرة؟

يكاد الكل يجمع على أن توقيت اختبارات الفصل الأول من العام الدراسي الحالي لم يكن مناسبا لكون الاختبارات جاءت بعد عطلة عيد الأضحى مباشرة، والتي امتدت إلى ما يقارب الشهر تبعا للمراحل الدراسية، ورغم هذه الإجازة الطويلة فإن الكل يشكو من عدم استفادة الطلبة الاستفادة المُثلى منها، بدليل انخفاض مستوى الاستعداد، ومن ثم الأداء في الاختبارات، وما كان يلحظ على وجوه الطلبة بعد خروجهم من قاعات الاختبارات من عبوس وامتعاض يعزوه البعض إلى صعوبة في الأسئلة كأول رد فعل معاكس لإخفاء الشعور بالتقصير في المذاكرة، وإلقاء اللوم على من قام بوضع الأسئلة، وقد جاءت نتائج الاختبارات التي تعيشها الأسر من واقع مستويات أبنائها السابقة لتؤكد ذلك.
إن المتأمل لحال معظم الطلبة خلال الإجازة يجد أنهم لم يستثمروا الإجازة في الاستعداد للاختبارات رغم طولها، ورغم ركض الآباء والأمهات خلفهم، وحصارهم أغلب الأوقات داخل المنازل وفي غرفهم، ورغم تظاهرهم بالانشغال بالمذاكرة مكانيا وجسمانيا، إلا أنهم أبعد ما يكونون عن التهيؤ والاستعداد الذهني وهم يشعرون بأنهم في عطلة عيد تحاصرهم خلالها القنوات الفضائية بالحشد الهائل من البرامج الموجهة لهم والمحشوة بالرخيص من مقبلات ومشهيات إضاعة الوقت، فضلا عن مغامرات الألعاب الإلكترونية، ومتاهات القاتل الأول للوقت، ألا وهو الإنترنت، بل إن المتأمل المنصف يرى أن طول الإجازة كان له سلبيات واضحة على الطلبة صغار السن، خاصة في المراحل الابتدائية والمتوسطة، الذين نسوا خلالها بعض ما كانوا قد درسوه، وبالذات ما كان يعتمد فيه على الحفظ والتلقين من المواد وهو كثير، ومع ذلك فلم يكن من المتوقع من الأطفال والمراهقين أن يكون لديهم من الانضباط الذاتي ما يجعلهم يلزمون أنفسهم بأدنى حدود سلوكيات الدراسة أو المذاكرة كل يوم خلال الإجازة، مع ما تخللها من أيام العيد التي تتزاور فيها الأسر وتتواصل عادة من أماكن بعيدة لا تتوافر فيها الفرصة للالتقاء إلا في مثل هذه الإجازة الطويلة نسبيا، وتعتقد الأسر ويتفق معها معظم المعلمين والمعلمات أنه لو لم يفصل الاختبارات مثل هذه العطلة الطويلة لجاءت النتائج أفضل مما كانت.
وكان المستفيد الأول من هذه الظروف هم فئة المدرسين الخصوصيين الذين لجأت إليهم الأسر مكرهة كحل لم تجد أمامها غيره لإجبار أبنائها على تخصيص وقت محدد يجلسون فيه إلى المدرسين لمذاكرتهم أكثر من تدريسهم، وقد وجدت هذه الفئة في ذلك فرصة لا تعوض للركض بين البيوت ليل نهار للحصول على دخل، ربما يفوق دخلهم في السنة بكاملها، يضاف إلى هذه الفئة قطاع مطاعم الوجبات السريعة التي نشطت حملاتها أثناء الإجازة باختراع وترويج وجبات تركز فيها على عناصر الجذب والخداع والتلوين والتصوير، متناسية أن الأمر لا يحتاج إلى شيء من ذلك، إذ لا يجد الطلبة مقابل الحجز في البيوت عاملا لقتل الفراغ، إلى جانب العوامل التي ذكرناها آنفا غير التلهي باستدعاء مندوبي المطاعم الذين أصبحوا يعرفون طرق البيوت أكثر من أصحابها، وهذا الأمر يحدث في البيوت كافة، حتى لو تفانت الأمهات أو قل الخادمات في تحضير وجبات أشهى وأكثر نفعا من تلك الوجبات التي ظاهرها الرحمة وباطنها فيه العذاب، والنتيجة التي تجنيها الأسر من هذا كله هي مزيد من الانتفاخ في الأبدان والتبلد في العقول والأذهان.
إن بدء الاختبارات يوم الإثنين، بدلا من أول الأسبوع، كما هي القاعدة في الماضي قد أسهم في تضخيم شبح المشكلة أمام الطلبة، وحصر مدة الاختبار في ثمانية أيام، بعد أن كانت تمتد إلى عشرة أيام، وكان أول المتضررين هم طلبة المرحلة الثانوية، الذين ووجهوا بضغط المواد في هذه الأيام الثمانية، وبالتالي ضغط الوقت وعدم قدرتهم على تغطية المواد بالمراجعة في ليالي الاختبارات، وذهابهم إلى الاختبار مرتبكين وجلين، وهو ما يفسر الشكوى من صعوبة الأسئلة التي قد يكون مردها ما ذكرناه من عدم الاستعداد، كما أن الطلبة لم يستفيدوا من اليومين السابقين للاختبار بالحضور إلى مدارسهم للمراجعة مع مدرسيهم كما هو المفترض، بل إنهم قاطعوا الحضور في الغالب بحجة أن أيا من زملائهم لن يحضر، بعد أن تم التنسيق المسبق بينهم حول ذلك دون علم أسرهم، وبقوا في البيوت بدعوى المراجعة والمذاكرة، وإن كان الأغلبية منهم قضى معظم وقته في النوم.
من جانب آخر، فقد استمرأ معظم الطلبة النوم طوال النهار أو معظمه خلاله الإجازة حتى إذا حانت أيام الاختبارات لم يعودوا قادرين على السيطرة على التوقيت البيولوجي في الجسم وإرجاع نظام نومهم إلى ما كان عليه، فأصبحوا فريسة القلق والاضطراب في النوم، ولم يجد معظمهم أمامه إلا مواصلة السهر والذهاب إلى الاختبار، الأمر الذي انعكس بلا شك على مقدرتهم على التركيز والاستيعاب، وأثر بالتالي على النتائج كما هو ملموس من غالبية الأسر، مَن المسؤول عن هذا كله؟ هل هي وزارة التربية والتعليم التي اقترحت هذا التوقيت؟ وهل صعب على رجالاتها ونسائها، وفيهم الإخصائيون التربويون والاجتماعيون والمحللون والخبراء، وقبل ذلك هم آباء وأمهات ولديهم أبناء وبنات في المراحلة الدراسية كافة، هل صعب عليهم استنتاج وحساب ما أسفر عنه هذا التوقيت من نتائج سلبية؟ أم المسؤول هم الأسر التي لم تحاول السيطرة على أبنائها بتخطيط كيفية الاستفادة من الإجازة الطويلة، والتوفيق بين المذاكرة والتسلية وسائر الرغبات؟ أم هم الطلبة الذين أدمنوا الاسترخاء والاتكالية وقتل الوقت فيما لا يفيد؟
أجزم أن الكل مسؤول وكل فئة تتحمل جانبا من المسؤولية بقدر ما هي مسؤولة عنه، ولكن كان ينبغي على وزارة التربية والتعليم، وهي تعلم ظروف المجتمع، وتمرد معظم الطلبة على الالتزام بنظام كل من الأسرة والمدرسة، وحتى القيم، ألا تلجأ إلى مثل هذا التوقيت وهي تملك البديل، خاصة وهي تعلم أن معظم الطلبة لا يقبل على المذاكرة إلا مكرها ضمن ما يُسمى المراجعة خلال الأيام الأخيرة من كل فصل دراسي!
نعم كان بالإمكان إما تقديم موعد الاختبارات بحيث يسبق إجازة الحج مباشرة وأخذ الاستعداد لذلك منذ أول الفصل لتغطية المقررات، وفي هذه الحالة ستكون الفائدة مزدوجة، إذ سينطلق الطلبة إلى إجازتهم متحررين من ضغط الاختبارات، وستتمتع الأسر، خاصة الأمهات بالإجازة في جو هادئ ونفسية مرتاحة في المنزل أو بالانتقال للتواصل مع الأقارب في أنحاء المملكة، وفي ذلك استثمار للإجازة، وتحقيق مفهوم السياحة والتشجيع عليها، أما الفائدة الأخرى فهي دمج إجازة العيد في إجازة منتصف العام، والتقليل من فترات التوقف والإجازات التي تمتد قسرا بغياب الطلبة قُبيل وبُعيد كل إجازة.
كلمة أخيرة بهذه المناسبة، لقد أثبتت الدراسات والبحوث أننا في المملكة ننفرد بأقصر عام دراسي، وأقصر يوم دراسي كذلك، سواء من حيث عدد أيام الدراسة أو ساعات الدراسة اليومية، فعدد أيام الدراسة طوال العام لا يتجاوز 165 يوما، فإذا طرحناها من أيام السنة البالغة 354 يوما تصبح الإجازات والعطلات 189 يوما، وهي أكثر من أيام الدراسة، وهذا الوضع غير موجود في أي بلد، ولا سيما البلدان المجاورة المشابهة في أوضاعها الاجتماعية والتنموية للمملكة، من حيث الحاجة إلى تعويد الطلبة على حب العمل والإنتاجية، حتى لا يفاجأون بعد تخرجهم بالتزامات العمل المطلوبة منهم، ويجدون أنفسهم عاجزين عن الوفاء بها، يضاف إلى ذلك، كما ذكرنا، قصر اليوم الدراسي ولا سيما في بعض المراحل، حين يفاجئك الطلبة عائدين من مدارسهم مع صلاة الظهر، وإذا أضيف إلى ذلك الأيام المختزلة من الدراسة قسرا بالغياب، كما ذكرنا، أمكننا القول إن نظام الدراسة وكثرة الإجازات وطولها هي المحفز الأول على الدعة والاسترخاء، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الإنتاج والعمل لمواجهة التحديات التي تفرزها العولمة، والطفرة الاقتصادية التي نمر بها.
والله من وراء القصد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي