كُنْ حَذِراً.. حينما تُحِب!
عزيزي.. « تلمس خطواتك، وتأني في انفعالاتك، إذا قررت أن يكون الحب شعارك، لأنك ستتألم معظم الوقت!».
من المؤسف والمُؤلم في آنٍ معاً، أنْ تتراجع أهميتك لدي شخصِ أقبلتَ عليه بحبٍ، ظناً منه أنك تتملقه، أو تنافقه، أو لأنه نجح في جذبك إليه، فصرتَ مضموناً لديه، فليبحث له عن طيرٍ جديدٍ ليضمه إلى قائمة محبيه ومعجبيه، أو لأنك - من وجهة نظره - أقل من أن ينظر إليك!.
شيءٌ مُحزنٌ أنْ يُفسرَ الحُبُّ بألفِ تفسير أعوج، وكأن الحالَ يُنبٍئُ عن زهدٍ فيه، أو كراهية له، أو حربٍ عليه، في دلالة ملموسة على فشل نفوس بعض المُعاصرين في التعاطي مع معانيه ومراميه، ذلك لأن عصر المادة بَهَرَ قلوب الكثيرين واستولى على ألبابهم، فراحوا يُعَيِّرونَ كل شيء بالمادة، حتى المعاني السامقة التي لا تخضع للتقييم المادي.. قيَّمُوها عنوة!.
## واقعة
حكي لي مَنْ أعرفه جيداً، فقال: مَنَّ الله علي َّ بحزمة من المواهب، عُرفتُ بها بين أهل قريتي، وصِرتُ بها حديثاً يتجاذبونه فيما بينهم، كما كنتُ نابهاً في دراستي، ولا أقبل إلا احتلال أحد المراكز الأولي بين قرنائي، حتى انتقلت بتفوقٍ إلى المرحلة الثانوية، فعقدتُ العزم على الجد والاجتهاد لأحقق هدفي بدخول كلية الطب.
نَظَّمْتُ وقتي - والكلام على لسان الحاكي - وقَسَّمته بين مذاكرتي وصلاتي، ويوم الجمعة عصراً ألتقي زملائي لنؤدي مباراة تنفيسية في كرة القدم، ودام الحال على هذا المنوال حتى وصلت إلى الثالث الثانوي بخطوات واثقة، وهنا وقعت نقطة التحول..!.
تقرب إلى ثلة من الجامعيين تأثراً بما لدي من مواهب، وتوددوا إلى بكل وسيلة ممكنة، وما تركوا مناسبة إلا كانوا أول المُهنئين وأول الزائرين، حتى تعلقت بهم تعلقاً شديداً، بل واحتلوا مساحة كبري من تفكيري وتركيزي.. وهنا وقعت المشكلة..!، تبدلت المواقف وصرتُ أنا الذي أبحث عنهم وأتودد عليهم، وأشعر أن شيئاً عظيماً ينقصني إذ لم أطمئن عليهم واحداً واحداً..!.
مرت الأيام فوجدتُ من الذين أخلصت في محبتهم زهداً في، وتقهقراً منهم إزاء هرولتي نحوهم، حتى بلغ الأمر حد التهرب والإهمال، فقررت أن أتوقف عن بعثرة المشاعر عمن لا يستحق.. وفي لحظة التوقف والمراجعة، وجدت أني لم أحقق حلمي بدخول كلية الطب، إذ أنفقت جل وقتي على من كنت أعتقد أنهم ملائكة يمشون على الأرض، ونسيت أن لي هدفاً كان أولى بكل وقتي.. لقد جاءت الاستفاقة متأخرة بعض الشيء!.
المهم.. قررت أن استجمع بقايا حلمي المُبعثر، بالبحث عن ذاتي فيما قدره الله لي.. تقدمت نحو تدعيم مؤهلي بدراسات عليا، وبتدريب متخصص على إدارة وبرمجة الحاسبات الآلية، وبدورات مكثفة في اللغة الانجليزية، كي أدرك وظيفة تعوضني بعض ما فات، وفعلاً نجحت هذه المرة، وحصلت على وظيفة حكومية متميزة، ربما تفوق راتبها على راتب الطبيب بأضعاف عدة.. اجتهدت في عملي، وأخلصت له، وسخرت كل طاقاتي ومواهبي من أجله، حتى صرت بفضل الله موظفاً يُشار إليه بالبنان داخل الإدارة الحكومية التي أعمل بها.. ورأيت أن الله عوضني خيراً عن كل ما فات.
الآن وبعد عشر سنوات من الجد.. أقمت منزلي، وتزوجت، ورزقني الله بالولد والبنت.. فجاءوا إلىّ ثانية يتقربون ويتوددون من أجل أن تعود المياه إلى مجاريها.. فأغلقت الأبواب دونهم!.
قال الرجل: وقد أغرورقت عيناه بالدموع.. هل أنا على صواب أم خطأ؟!.
فرددت عليه قائلاً: « كُنْ حَذِراً.. حينما تُحِب! ».
فما رأيكم؟.
* باحث في علم الإحصاء