عدم اليقين والتضارب في توقعات الطلب العالمي على النفط

بعد انتعاش الطلب العالمي على النفط خلال العام الماضي بسرعة أكبر مما كان متوقعا نتيجة التحسن الكبير الذي طرأ على الاقتصاد العالمي، يجابه النمو في الطلب العالمي على النفط مرة أخرى خطر التراجع. حيث من الممكن أن يتراجع نمو الطلب في عام 2011 نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي، لا سيما في البلدان المثقلة بالديون السيادية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إضافة إلى البرتغال، إيرلندا، إيطاليا، اليونان وإسبانيا.
استنادا إلى التوقعات الحالية المتفائلة نسبيا، من المتوقع أن يصل الطلب العالمي على النفط إلى ذروة تاريخية جديدة، قبل عامين مما كان متوقع قبل أكثر من عام بقليل، عندما كانت التكهنات بشأن الاقتصاد العالمي متشائمة جدا. حيث إن وكالة الطاقة الدولية IEA تتوقع الآن أن الطلب العالمي على النفط سيتجاوز ذروة 86.5 مليون برميل يوميا التي كان عليها في عام 2007 بنحو 100 ألف برميل يوما في هذا العام، في حين أنه في حزيران (يونيو) 2009 لم تكن الوكالة تتوقع أن يصل الطلب العالمي على النفط إلى رقم قياسي جديد قبل عام 2012.
على الرغم من أن ثلاث من المنظمات الكبيرة تتوقع نموا قويا في الاقتصاد وفي الطلب العالمي على النفط لهذا العام والعام المقبل، توقعات وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة EIA متفائلة نسبيا في حين توقعات منظمة أوبك أقل تفاؤلا، لكن في الوقت نفسه أعربت جميع هذه المنظمات عن قلقها الشديد إزاء متانة وتعافي الاقتصاد العالمي. وكالة الطاقة الدولية، التي تعتمد توقعاتها على أرقام صندوق النقد الدولي IMF، تتوقع حاليا أن ينمو الاقتصادي العالمي بنحو 4.6 في المائة في عام 2010 و4.3 في المائة في عام 2011، مقارنة مع 3.9 في المائة و3.7 في المائة حسب توقعات منظمة أوبك. هذه المنظمات تتوقع أن يتراوح نمو الطلب العالمي على النفط بين 1.04 مليون برميل يوميا و1.9 مليون برميل يوميا في عام 2010، وبين 1.05 مليون برميل يوميا و1.51 مليون برميل يوميا في عام 2011.
مع ذلك، حذرت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لسوق النفط لشهر آب (أغسطس)، من أن توقعات الاقتصاد العالمي على المدى القصير غير مؤكدة جدا، ما قد يؤدي إلى مخاطر تراجع كبير لنمو الطلب على النفط في المستقبل، هذا التحذير جاء بمثابة صدى لتحذير ''أوبك'' وإدارة معلومات الطاقة EIA في هذا الجانب أيضا.
لتحقيق انتعاش اقتصادي مستدام، فإن الاقتصاد العالمي يتطلب عملية إعادة توازن دقيقة في مجالين. الأول، على الاقتصاد العالمي إعادة التوازن من الإنفاق الحكومي إلى الإنفاق الخاص. في هذا المجال تشير مجلة ''الاقتصاد'' The Economist وبناء على استطلاع لآراء مجموعة من الخبراء أن العجز المالي المتوقع في عام 2010 لبعض الاقتصاديات الكبيرة هو 8.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، 7.5 في المائة في اليابان، 6.9 في المائة في منطقة اليورو، 5.5 في المائة في الهند، 2.5 في المائة في الصين و2.1 في المائة في البرازيل.
بما أن إنفاق القطاع الخاص في معظم الاقتصاديات الناشئة ظل قويا نسبيا والعجز الحكومي فيها أيضا صغير نسبيا، لذلك لا يشكل إعادة التوازن في الإنفاق مشكلة كبيرة بالنسبة لهم. لكن، في كثير من الاقتصاديات المتقدمة لا يبدو القطاع الخاص فيها بعد على استعداد لاتخاذ زمام المبادرة الاقتصادية من الحكومة، حيث إن المستهلكين والشركات لا يزالون يسعون إلى خفض مستويات المديونية وليس زيادتها.
أما عملية التوازن الثانية ستكون مطلوبة بالنسبة للبلدان التي فيها الديون الحكومية، ديون القطاع الخاص والديون الخارجية كبيرة، حيث يتطلب منها الحد من العجز المالي بصورة كبيرة من دون المساس بنمو الاقتصاد العالمي. هذه العملية ستتطلب أيضا نقل المزيد من مسؤولية الاقتصاد العالمي إلى البلدان الدائنة مثل الصين، ألمانيا واليابان.
أزمة الديون السيادية أجبرت العديد من الدول الأوروبية في منطقة اليورو على خفض الإنفاق المالي على الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي فيها، بسبب الضغوط السياسية وضغوط أسواق السندات. في الولايات المتحدة، لم يتمكن الديمقراطيون من تمرير حزمة كبيرة من الحوافز الجديدة من خلال مجلس النواب هذا العام، على الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 1.6 في المائة في الربع الثاني، ذلك بسبب تهديد الجمهوريين بتعطيلها في مجلس الشيوخ. إضافة إلى ذلك، المصارف المركزية في بعض البلدان الرئيسة ذات المديونية السيادية، بما في ذلك الولايات المتحدة، يبدو أنها تضغط على المساعدات. وعلى الرغم من توافر السيولة الكافية في النظام المصرفي، إلا أن المصارف متحفظة على تحويل هذا الاحتياطي النقدي إلى قروض للمستهلكين والشركات بسبب الحالة غير المستقرة للاقتصاد وارتفاع أعباء الديون نسبيا.
في الوقت نفسه، الدول الكبرى الدائنة لا تقوم باتخاذ خطوات كبيرة في تقديم المساعدة. بعد الانكماش الاقتصادي الكبير وانهيار التجارة العالمية في عام 2009، عدم التوازن في الميزان التجاري يعود مرة أخرى مع انتعاش التجارة العالمية. على سبيل المثال، في حزيران (يونيو) ارتفع العجز التجاري للولايات المتحدة إلى نحو 50 مليار دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 21 شهرا. في المقابل، ارتفع الفائض التجاري الصيني في تموز (يوليو) إلى نحو 30 مليار دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 18 شهرا.
ما يعكس قلقها بشأن متانة الاقتصاد العالمي، قامت الوكالة الدولية للطاقة في تقريرها لشهر آب (أغسطس) بدراسة الأثر المحتمل لخفض وتيرة النمو الاقتصادي العالمي بمقدار الثلث على الطلب العالمي على النفط في عامي 2010 و2011، مع إبقاء بقية المتغيرات ثابتة. في هذا الجانب وجدت الوكالة أن الطلب العالمي على النفط سيكون أقل من توقعها المرجعي بنحو 0.3 مليون برميل يوميا في عام 2010 وأقل بنحو 1.2 مليون برميل يوميا في عام 2011، هذا من شأنه أن يخفض النمو في الطلب العلمي على النفط في عام 2011 إلى نحو 0.4 مليون برميل يوميا.
مع ذلك هذه التوقعات المنخفضة للطلب على النفط من الممكن أن تثبت أنها متفائلة، حتى لو كان معدل النمو الاقتصادي مقارب إلى المستويات المنخفضة التي فرضتها وكالة الطاقة الدولية في السيناريو الذي درسته في تقريرها الأخير، 3.0 في المائة في عام 2010 و2.8 في المائة في عام 2011.

تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي