بوش.. والإدمان.. ومبالغات الإعلام العربي
بالغ الإعلام العربي في ردة فعله على خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي اتهم فيه الأمريكيين بالإدمان على النفط وقرر تخليصهم منه عن طريق إنفاق مليارات الدولارات على برامج تخفف من استيراد الولايات المتحدة من نفط الشرق الأوسط بمقدار 75 في المائة. وعزز من هذه المبالغة عدم قيام وسائل الإعلام العربية، بشكل مقصود أو غير مقصود، بعدم "ترجمة" أو "نقل" العديد من الأخبار المتعلقة بالموضوع في الأيام التالية التي تشرح الملابسات التي اكتنفت الخطاب الرئاسي، والتي تؤكد أن الخطاب كان لترويج برامج معينة، مدعومة من لوبي لشركات معروفة، يتطلب تسويقها "تأجيج" مشاعر الأمريكيين عن طريق ذكر "النفط" و"الإدمان" و"الشرق الأوسط".
خطاب الرئيس الأمريكي بني على بحوث في مجال الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الحيوية، استخلصت أن دعم الحكومة لبرامج تزيد من استخدام الإيثانول في البنزين، وهو سائل كحولي يستخرج من الحنطة، واستخدام العديد من المواد الحيوية الأخرى في الديزل وغيره من المحروقات، والتي تستخرج من العديد من المخلفات النباتية، بالإضافة إلى تطوير تكنولوجيا جديدة، بما في ذلك الهيدروجين، سيخفض من استهلاك الولايات المتحدة من النفط في عام 2025 بمقدار 4.3 مليون برميل يومياً. هذا كل ما استنتجته هذه البحوث.
كيف يمكن للرئيس أن يوصل هذه الفكرة للشعب الأمريكي ويجعله يدرك أهمية هذا "الإنجاز"؟ كل ما عليه هو أن يستخدم بعض الأمثلة ليوضح أهمية هذا الرقم. قد يكون أفضل هذه الأمثلة على الإطلاق هو أن هذه الكمية تساوي ما تنتجه الولايات المتحدة حالياً من النفط، فالأرقام متطابقة، والمثال محلي! ويمكن إضافة أمثلة عديدة كهذه خاصة أن هذه الكمية تعادل حوالي ثلث واردات النفط الأمريكية حالياً، أو أقل من ربع ما تستهلكه الولايات المتحدة بشكل يومي. المشكلة أن هذه الأمثلة لا تؤجج العواطف بالشكل المطلوب الذي يجعل غالبية الشعب تؤيد البرامج الجديدة التي يطرحها الرئيس، لذلك لا بد من البحث عن مثال آخر "يثير" المشاعر.
قد يكون أكثر الأمثلة إثارة هو "إيران"، فهي ليست فقط عدوة تهدد الأمريكيين، بل إن إنتاج إيران الآن قريب جداً من الكمية التي يريد الرئيس تخفيضها. رغم هذا المثال الرائع إلا أن الرئيس الأمريكي لم يستخدمه لسبب بسيط: الولايات المتحدة لا تستورد أي نفط من إيران.
حسناً، ماذا عن هيوغو شافيز، الرئيس الفنزويلي الذي يهدد الولايات المتحدة باستمرار؟ كل ما على الرئيس أن يقول إن الكمية التي يرغب في تخفيضها من واردات النفط تبلغ ضعفي ما تنتجه فنزويلا حالياً. هذا المثال "يثير المشاعر" وكلمة "ضِعف" سهلة ويفهمها الجميع.
أليس من الأفضل أن يستخدم الرئيس مثالاً يشير إلى الاستهلاك كون أغلب الأمريكيين مستهلكين للطاقة؟ كان بإمكانه أن يقول، مثلاً، إن الكمية التي يرغب في تخفيضها أكبر من استهلاك النفط الحالي في بريطانيا وفرنسا مجتمعتين! لكن هذا المثال لا يفي بالغرض المطلوب.
كيف تحولت نتيجة البحوث السابقة في خطاب بوش إلى "إن الاكتشافات في هذا المجال وفي مجالات التكنولوجيا الجديدة الأخرى ستساعدنا على الوصول إلى هدف عظيم آخر: إحلال طاقة بديلة محل واردات النفط من الشرق الأوسط بحلول عام 2025"؟ الجواب عند مساعديه الذين قرروا تغيير هذه الحقائق والتركيز على "الشرق الأوسط" لأنه أكثر إثارة. المشكلة أن الأرقام لا تتطابق بسهولة مثل الأمثلة المذكور سابقاً. فكمية التخفيض التي أشارت إليها البحوث لا تساوي إنتاج الشرق الأوسط، أو تعادل ما تستورده الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، أو تعادل ضعفي ما تستورده من المنطقة. هذه الكمية تعادل 75 في المائة من واردات الولايات المتحدة من الشرق الأوسط! نعم لقد صدفت أن 4.3 مليون برميل يومياً تساوي 75 في المائة من الواردات الأمريكية المتوقعة من الشرق الأوسط في عام 2025، الأمر الذي يفسر استخدام الرئيس لهذه النسبة. أما استخدام عبارة "الشرق الأوسط" فقد كان مثالاً مقصوداً للتهويل والإثارة كما أشار أحد مسؤولي البيت الأبيض في اليوم التالي عندما قال إن بوش "أراد تهويل الأمر بطريقة يستطيع أي أمريكي يستمع للخطاب أن يفهمها"!.
الأثر الفعلي لبرنامج بوش
البحوث المذكورة سابقاً أشارت إلى تخفيض "استهلاك" الولايات المتحدة من النفط بمقدار 4.3 مليون برميل يومياً، ولكنها لم تقل إنها ستخفض "الواردات" بهذه الكمية كما أوحى بوش في خطابه، أو إنها ستخفض "واردات الشرق الأوسط" بالذات. بما أن النفط الأمريكي هو أكثر النفوط تكلفة في العالم، فإن أول ضحية لانخفاض الاستهلاك الأمريكي هو النفط الأمريكي، الأمر الذي يفسر ردة فعل شركات النفط الأمريكية على خطاب الرئيس الأمريكي وتهكم رؤساء هذه الشركات على ما قاله الرئيس، حتى في مؤتمر جدة الاقتصادي. ردة الفعل هذه لم تكن لكسب مودة العرب أو للدفاع عن حقوقهم. ردة الفعل جاءت لأن هذه الشركات ستكون أول الخاسرين من المشاريع التي طرحها بوش، والتي ستخفض إنتاج هذه الشركات داخل الولايات المتحدة. الواقع أن هذه الشركات كبيرة جداً وإنتاجها داخل الولايات المتحدة يمثل قطرة من بحر، فلماذا تخاف هذه الشركات من انخفاض إنتاجها في الولايات المتحدة؟ السبب هو أن قوة هذه الشركات سياسياً في واشنطن تتضاءل مع تضاؤل دورها في الاقتصاد المحلي. لذلك فإن هذه الشركات ستنتج داخل الولايات المتحدة حتى لو كان ذلك في أعالي جبال الروكي، أو في الأعماق السحيقة لخليج المكسيك، أو في أقصى أصقاع الأرض وأشدها برودة، في الأسكا.
إذاً، نجاح برنامج بوش لا يعني تخفيض واردات الولايات المتحدة من الشرق الأوسط بمقدار 75 في المائة. كما أنه لا يعني حتى تخفيض الواردات الكلية للولايات المتحدة بمقدار 4.3 مليون برميل يومياً بسبب انخفاض الإنتاج الأمريكي من النفط. إن نجاح برنامج بوش، حتى بدون أي انخفاض في إنتاج النفط الأمريكي، يعني انخفاض واردات الولايات المتحدة من نفط الشرق الأوسط بحلول عام 2025 بمقدار 288 ألف برميل يومياً فقط عما هي عليه الآن. كما تعني انخفاض واردات الولايات المتحدة من السعودية بمقدار 173 ألف برميل يومياً فقط. هذه الكمية تخفضها السعودية بشكل عادي للقيام بأعمال صيانة دورية في حقولها! بعبارة أخرى، إن نجاح برنامج بوش، مع عدم وجود مشترين آخرين للنفط السعودي، سيخفض الإنتاج السعودي من 12 مليون برميل يومياً إلى 11.83 مليون برميل يومياً.
إن ما قاله بوش لا يختلف كثيراً عما قاله الرؤساء السابقون له. إن فشل برامج وكالة الطاقة الدولية والسياسات الأمريكية في تخفيف اعتماد الولايات المتحدة على النفط يشكك في مقدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهداف البرنامج الذي ذكره بوش في خطابه. إن أكبر دليل على فشل مشروع بوش قوله في خطابه "منذ 2001، أنفقنا نحو عشرة مليارات دولار لتطوير مصادر بديلة للطاقة أنظف وأقل تكلفة ويمكن التعويل عليها إلى حد أكبر". لقد تم إنفاق هذه المبالغ الهائلة في وقت زاد فيه اعتماد الولايات المتحدة على النفط وانخفض فيه إنتاج النفط الأمريكي. هذه المبالغ لم تسهم في تخفيض الواردات أو حتى في منع أسعار النفط من الارتفاع إلى مستويات قياسية. الرئيس يقول إن هذه الاستثمارات ستؤدي إلى تطورات واكتشافات ضخمة قريباً. هذا أمر غريب لأن هذه التكنولوجيا معروفة منذ مئات السنين، كما أن أول محرك انفجاري تم تطويره وتشغيله بالوقود الحيوي، وليس بالنفط!
تندر البعض على ما قاله بوش، ولهم الحق في ذلك. ليس بسبب تغيير نتائج البحوث ووضعها في صيغة مختلفة فقط، وإنما بسبب افتخار الرئيس بالخبرات والتكنولوجيا الأمريكية التي ستخفض اعتماد الولايات المتحدة على النفط بمقدار 16 في المائة فقط بعد 20 عاماً، وذلك بعد إنفاق أموال تتجاوز الناتج المحلي لكل دول إفريقيا بعدة مرات. كما تندر البعض على استخدام الرئيس لعبارة "أدمنت أمريكا على النفط" ووعده للأمريكيين بتخليصهم من هذا "الإدمان" عن طريق زيادة استخدام الإيثانول. لماذا التندر؟ لأن الإيثانول مادة كحولية مسببة لـ "الإدمان".
إن نجاح مشروع بوش يعني أيضاً زيادة تذبذب أسعار المشتقات النفطية من جهة، وارتفاع أسعار السكر والمنتجات النباتية الحاوية للسكر إلى مستويات قياسية من جهة أخرى. إن ارتفاع أسعار السكر سيفيد دولتين تعتبرهما الولايات المتحدة في صف الأعداء، كوبا وسورية. أما الاعتماد على الهيدروجين فإنه سيفيد دولتين تتعامل معهما الولايات المتحدة بحذر، روسيا وإفريقيا الجنوبية. إن أمن الطاقة في النهاية، وفقاً للمفهوم الأمريكي، مرتبط بالأمن القومي. لذلك فإن نجاح مشروع بوش، ووفقاً لما قاله، سيحرر الأمريكيين من قبضة العرب، ولكنه سيوقعهم في قبضة الروس. تهانينا!