رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تنظيم الفتيا قرار حكيم .. مقترحات لتفعيل آلياته

كما هو معلوم أنه صدر الأمر الملكي رقم 13876/ ب بتاريخ 2/9/1431هـ، الذي استهل بمقدمة علمية رصينة بسرد مجموعة من الاستدلالات الشرعية، ثم بعض الممارسات التي قد تكون أسبابا لاستصدار هذا الأمر، ثم جاء فيه بعد ذلك ـــ كما جاء في صحيفة "الاقتصادية" عدد 6150: "... وترتيبا على ما سبق، وأداء للواجب الشرعي والوطني، نرغب إلى سماحتكم قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء، والرفع لنا عمن تجدون فيهم الكفاية والأهلية التامة للاضطلاع بمهام الفتوى للإذن لهم بذلك، في مشمول اختيارنا لرئاسة وعضوية هيئة كبار العلماء، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ومن نأذن لهم بالفتوى، ويستثنى من ذلك الفتاوى الخاصة الفردية غير المعلنة في أمور العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، بشرط أن تكون خاصة بين السائل والمسؤول، على أن يمنع منعا باتا التطرق لأي موضوع يدخل في مشمول شواذ الآراء، ومفردات أهل العلم المرجوحة وأقوالهم المهجورة ....".
وخلال الفترة الماضية التي تناول فيها الكتاب هذا الأمر، تنوعت عباراتهم بعبارات مثل الحصر أو التقييد، والحقيقة أن الذي يظهر من الأمر هو تنظيم للمسألة بالشكل الطبيعي الذي ينبغي أن تكون عليه، إذ إن الفتيا وظيفة سامية وخطيرة في الوقت نفسه, لا تقل خطورة عن القضاء وغيرها من الوظائف العليا والحساسة، والسبب في ذلك أن الفتيا يتناقلها الناس ويعملون بها في أمور عباداتهم وحياتهم فيما يظنون أنه هو أمر الله ـــ سبحانه ـــ وبه يتحقق رضاه, في حين أن القضاء يرتبط بفئة محدودة, هم المتخاصمون الذين يذهبون بأنفسهم إلى المحاكم.
ولو تأملنا فيما نُقل إلينا من السابقين في التاريخ الإسلامي لوجدنا أن الفتاوى وآراء الفقهاء لا تزال تتناقل ويعمل بها الناس، وخلال الفترة الماضية نجد أن مسألة الإفتاء لم يصدر فيها مثل هذا الأمر الملكي رغم حدوث متغيرات سياسية واجتماعية، بخلاف وضع الاستقرار الذي نشهده اليوم في المملكة، ولعل ما يعتبر سببا واضحا لصدور الأمر هذا الانفتاح الفضائي الكبير الذي جعل الكثير من الناس يسهل عليه التواصل مع شعوب الأرض من شرقها وغربها، وأصبح الكثير من الناس يستسهل الظهور في هذه القنوات والإفتاء للناس دون تدقيق وتمحيص واستيفاء لمتطلبات الفتيا، ما أدى إلى ظهور الكثير من الفتاوى غير المناسبة, أو يمكن أن نقول غير موفقة, بسبب ضعف تأهيل المفتي أو عدم استيعاب الواقعة من السائل، أو لمخالفة بعض الفتاوى ما عليه السواد الأعظم من أهل العلم، حتى أصبحت ـــ مع الأسف ــ محل طعن للدين الإسلامي في وسائل الإعلام العالمية.
والحقيقة أن تنظيم الفتوى هو الأمر الطبيعي وليس حالة استثنائية، إذ إن الفتيا لا بد أن يتصدى لها من لديه التأهيل الشرعي الكاف، والورع والخشية التي تمنع الإنسان من القول على الله بلا علم، حيث إن الفترة الماضية شهدت جرأة كبيرة ممن ليس لديهم الحد الأدنى بمعرفة الأحكام الشرعية اليسيرة, فضلا عن القضايا العامة والمعقدة التي تحتاج إلى علماء أفذاذ للحكم فيها.
ويبقى أن الأمر الملكي رغم أنه يأتي في وقت مهم وضروري إلا أنه لا بد من تفعيل عاجل لآلياته قبل أن يكون هناك فراغ فعلي, وبالتالي, سنجد أن غير المؤهلين من دول أخرى سيجدون في هذا الفراغ فرصة للتلبيس على الناس في أمور دينهم في ظل عدم إيجاد بدائل عاجلة، ولعل من المقترحات ما يلي:
1ـــــ أن تشكل لجنة من هيئة كبار العلماء لدراسة الرفع بأسماء مجموعة من العلماء وطلبة العلم المتميزين للمقام السامي للتصريح لهم بالفتيا ـــ بناء على جاء به الأمر الملكي.
2ـــــــ برنامج توعوي للمجتمع بالطريقة المثلى للاستفتاء والحرص على أخذ الفتوى من أهل العلم، وأن المسلم مسؤول عن استفتاء من هو غير مؤهل شرعا.
3ـــــــ الوصول إلى المجتمع من خلال المؤسسات الإعلامية والإنترنت والوسائل المختلفة لتسهيل التواصل مع أعضاء هيئة كبار العلماء والمفتين المعتمدين لها.
4ـــــ تشجيع ظهور أعضاء هيئة كبار العلماء والمعتمدين للإفتاء في وسائل الإعلام المختلفة لتيسير وتسهيل التواصل مع المجتمع.
5ــــ العمل على الحد من برامج الفتاوى المباشرة في القنوات الفضائية قدر الإمكان، إذ إنها تؤدي في كثير من الأحيان إلى كثير من الأخطاء بسبب الاستعجال وعدم استيعاب الوقائع والأسئلة.
6ــــــ وضع آلية تأخذ في الاعتبار التخصص لبعض طلبة العلم بحيث يكون هناك من يفتي فقط في قضايا العبادات، ومنهم من يفتي في قضايا المعاملات، ومنهم في قضايا النكاح, وهكذا.
7ـــــ أن يتم توزيع مكاتب على المناطق كفروع لهيئة كبار العلماء لمجموعة من المفتين في كل منطقة، مع الأخذ في الاعتبار العمل على أن يكون هناك من يصرح له بالإفتاء حسب توزيع جغرافي مناسب ليسهل التواصل بين المفتي والسائل مباشرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي