أين يكمن ضعف العرب والمسلمين .. كيف يتصرف الأثرياء؟ (2)
ما هي أفضل السبل لمعرفة إن كانت أمة أو شعب أو دولة ضعيفة أم قوية؟ هناك سبل شتى يستخدمها المختصون لقياس التطور والتمدن في سلم من درجات عدة يشمل شتى مناحي الحياة.
وإذا استثنينا ماليزيا وتركيا، فإننا نرى أن العالمَين العربي والإسلامي يقبعان في أسفل السلم في أغلب مناحي الحياة ـــ اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وعسكرية وصحية وعلمية وتربوية.
يجب ألا تغرنا المظاهر. قد يقول شخص: ماذا عن دول الخليج العربي الغنية جدا؟ أفضل هذه الدول يدير معظم شؤونها أجانب من جنسيات شتى. وتسلل هؤلاء إلى البيوت والعائلات في ظاهرة مقيتة اسمها ''الخدم''، حيث يقومون بتربية الجيل الجديد، تاركين بصماتهم على الإنسان العربي والمسلم في أكثر الفترات حساسية واستجابة وتأثرا بالأفكار والعقائد والقيم، ألا وهي فترة الطفولة. كنت في زيارة لبلد من بلدان الخليج العربي أخيرا ولاحظت كيف أن أغلب الناس قد تركوا أمورهم وشؤونهم، حتى العائلية منها، في يد الغرباء عن ثقافتهم وتاريخهم وحضارتهم وتراثهم وحتى دينهم.
والخطورة في الأمر لا تنبع من الوضع الراهن، بل من التشبث به وجعله علما وجزءا أساسيا من الحياة. وبينما تحارب الأمم المتحضرة، كالسويد مثلا هذه الظاهرة من خلال التشريعات والقوانين، نرى أن الدول هذه تسن القوانين لجعلها جزءا من الحياة. وقياس الضعف والتعرف عليه لم تعد مسألة صعبة في عالم اليوم. نظرة بسيطة إلى وضع ومواقف الشعوب والدول تمنحنا ما فيه الكفاية.
السويد تحرّم الكثير من الممارسات التي صارت جزءا من الحياة في بعض الدول العربية والإسلامية. فكرة استقدام العمالة الأجنبية والخدم والحشم، وما يحدث من أمور سلبية جراءها تعد من المحرمات الاجتماعية في السويد التي تفرض عقوبات مشددة، حتى على التجارة في الجنس. ثمانية ملايين سويدي يعملون ويكدحون ويرفضون الخدم والحشم واستقدام العمالة الرخيصة كي تجمع القمامة لهم أو تبني القصور والعمارات أو تشغل المستشفيات والخدمات الاجتماعية الأخرى. الملايين الثمانية تقدّس العمل إن كان تنظيف الشوارع والأبنية أو خدمة المرضى في المستشفيات أو بيوتات رعاية المسنين والمعوقين. لا خدم ولا حشم ولا عمالة أجنبية، مع ذلك يعد بلدهم نموذجا للتمدن والتطور الإنساني ويحتل أرفع الدرجات في سلم الرقي والحضارة.
والأنكى من هذا أن السويديين ملحدون في غالبيتهم العظمى ـــ أي لا كتاب لهم. بمعنى آخر، يفتقدون نصا مقدسا يقدم لهم الأرضية الأخلاقية والسلوكية والإنسانية كالتي ترد في النص المقدس لدى المسلمين.
لو قرأنا القرآن بتمعن، لرأيناه يحرّم علينا الكثير من الممارسات السلبية التي نئن تحت نيرها الثقيل. لكن نتشبث فقط بالقراءات التي تستجيب للوضع الذي نحن فيه؛ لأننا نستسيغه كبشر، رغم أن النص المقدس يمقته.وهكذا يأخذنا العجب عند إجراء مقارنة بين أكثر الناس ثراء في السويد وأكثر الناس ثراء لدى العرب والمسلمين. الثري السويدي بصورة عامة يترك بصماته الإيجابية على المنطقة التي ولد فيها أولا وعلى المجتمع ثانية. والأثرياء السويديون لهم دور كبير في المساهمة لتخفيف معاناة الناس أينما كانوا.
فجامعاتنا مثلا قد تنهار ماديا لولا الدعم الذي نلقاه من الأثرياء في المنطقة التي تقع فيها. وأنا شخصيا قد أفقد عملي في الجامعة لولا دعم عائلة ثرية سويدية، التي قدمت أخيرا مبلغا كبيرا من المال يغطي رواتبي وأبحاثي وسفراتي العلمية وصرفيات مركز إعلامي عالمي سأقوم بإدارته لتسع سنين مقبلة، أي إلى اليوم الذي يوفقني الله فيه كي أحال على المعاش. الأثرياء السويديون يهبون لنجدة المحتاجين في أي بقعة في العالم، رغم أنهم لا يقرؤون سورة الماعون ولم يسمعوا بها. العائلات الثرية، لا، بل حتى متوسطة الدخل لها عائلات ثانية إن في إفريقيا أو أماكن أخرى في العالم. هذه العائلات معدمة ويتبناها السويديون لدرجة بناء منازل موائمة لهم والاهتمام بأطفالهم من حيث المأكل والملبس والتعليم والصحة. وإن زرت بيتا سويديا ميسور الحال لرأيت حيطانه مزيَّنة بصور عائلته الثانية بجانب عائلته الحقيقية.
وهبّ السويديون لمساعدة ضحايا كارثة الفيضانات في باكستان، ليس رسميا (الحكومة)، بل شعبيا وجماهيريا وأسسوا صندوقا لهذا الغرض جمع في غضون أسبوع واحد ملايين الدولارات، ويبحث الكثير منهم الآن من خلال مؤسسات خيرية لتبني العائلات المعدمة في هذا البلد المسلم.
كيف يتصرف الأثرياء وميسورو الحال صار اليوم واحدا من القياسات الرئيسة لمعرفة درجة التمدن والحضارة لأي بلد أو أمة.
كيف يتصرف أغلب الميسورين والأثرياء بين العرب والمسلمين؟ سأحاول الإجابة على ذلك في الأسبوع المقبل، وإلى ذلك الحين أستودعكم الله.