الجمعيات الخيرية .. دورها الإيجابي في التنمية الاقتصادية
من المعلوم أن أي مجتمع لا يمكن أن يستغني عن وجود مؤسسات خيرية تعتني وتهتم بشؤون الفئة التي لديها احتياج في المجتمع، وتكون حلقة وصل موثوقة بين الأثرياء ومحبي التبرع والخير وبين الفئات المحتاجة في المجتمع، وأن يكون لها دور تنموي يلبي الاحتياجات العامة في المجتمع، وتعالج جزءا من المشكلات الاقتصادية التي يواجهها المجتمع.
ونحن نعلم أننا في شهر الخير, والشهر الذي يسعى المجتمع إلى الإسهام بشكل أكبر في أعمال البر اقتداء بنبيهم ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، حيث كان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان، وبطبيعة هذا الشهر, شهر الصيام, يشعر فيه المسلم بأوضاع الفقراء والمحتاجين نتيجة للشعور بالجوع والعطش، نظرا للانقطاع عن الطعام والشراب طوال نهار رمضان، خصوصا أن هذه الأيام يأتي رمضان فيها في موسم الصيف، وهذا أدعى إلى الإحساس بشكل أكبر بمعاناة المحتاجين.
ما شدني إلى كتابة هذا المقال أن إحدى الجمعيات الخيرية أرسلت إعلانا مصاحبا لإحدى الصحف، تعرض فيه أنشطتها لدعم المحتاجين في المجتمع، ومن هذه الأنشطة دورة في الخياطة، وبرنامج دعم توفير مساكن للأسر في بعض مدن المملكة، بتكلفة بناء منخفضة جدا.
بطبيعة الحال، قد لا تكون هذه المؤسسة الخيرية الوحيدة التي تقدم مثل هذه الأنشطة والبرامج، فهناك برامج متميزة ورائدة يقوم بها بعض رجال الأعمال مثل مشروع عبد اللطيف جميل وغيره من مشاريع رجال الأعمال والشركات والمؤسسات الخيرية في المملكة.
لكن على مستوى الجمعيات الخيرية فإنه في فترة ماضية نجد أن الاهتمام منصب بشكل كبير على توزيع التبرعات وتقديم المساعدات من أموال وسلع تموينية إلى الأسر والمحتاجين بشكل مباشر، وهذا بلا شك جهد جيد ويُشكر كل من قام عليه من أهل الخير.
لكن لا بد أن نعلم أن علاج مشكلة الفقر في المجتمع ليس الأصل فيه أن يتم من خلال التبرع المباشر للأفراد، وهذا كما هو معلوم ليس الأصل في سياسة الاقتصاد الإسلامي في علاج مشكلة الفقر التي تعانيها المجتمعات المسلمة، حيث إنه جاء رجلان إلى النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ يسألانه من الصدقة، فقال عليه ـــ الصلاة والسلام ـــ إن شئتما أعطيتكما لكن لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، في مشهد يبرز فيه النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ جانب الثقة بالسائل، وتعليما بأن الإعطاء المباشر للتبرع هو لفئة محدودة استثنائية، وهي الفئة الفقيرة والعاجزة عن التكسب، بسبب إعاقة مثلا تعوق الإنسان عن الكسب أو لكبر سن لا يستطيع معه المرء العمل للكسب، أو لأسباب أخرى. وهنا نلاحظ في منهجية المؤسسة السابقة أنها تسعى إلى أن تعلم بعض المحتاجين مهنا يوجد في المجتمع احتياج إليها مع سيطرة واضحة للعامل الأجنبي عليها, وذلك ليستطيعوا أن يكتسبوا بأنفسهم من خلالها، وبالتالي تلبية احتياجاتهم.
وفي الحقيقة، إن لمثل هذه الآلية نتائج إيجابية عدة تعود على هؤلاء الأفراد والمجتمع بشكل عام منها:
أولا: دعم قدرة هؤلاء الأفراد على الاكتساب بأنفسهم بعيدا عن الانكسار وطلب الصدقة بشكل مستمر, إذ إن طلب الصدقة مرة واحدة لن يفي باحتياجاتهم.
ثانيا: دعم الاقتصاد الوطني, حيث إن دخول هؤلاء إلى سوق العمل يؤدي بالتالي إلى مساهمتهم الإيجابية في الإنتاج، وتوفير السلع والخدمات في المجتمع بأيد وطنية.
ثالثا: أن الاستمرار في إعطاء الصدقة لمن لديه القدرة على العمل خسارة فعلية للاقتصاد, إذ إن هذا الفرد سيمثل عبئا على المجتمع, إذ إنه لا يقدم للمجتمع شيئا مع قدرته على ذلك، وفي الوقت نفسه يأخذ جزءا من مكتسبات هذا المجتمع.
رابعا: أن الحصول السهل على المال يجعل فئة من المجتمع أن تستمر في الكسل وعدم العمل متذرعة بالفقر، الذي سيؤدي إلى أن يستمر هذا الفقر في هذه الأسرة على مدى أجيال بسبب أن العائل لها لا يعمل لانتشال أسرته من الفقر, وبالتالي تلبية احتياجاتها.
خامسا: أن في مثل هذه البرامج دعم لعلاج مشكلة البطالة، إذ إن توفير فرص التدريب للعمل يساعد على توفير كوادر مؤهلة، ويدعم المشاريع الصغيرة التي لها دور كبير في علاج مشكلة البطالة، ويظهر أن تعميم مثل هذه الدورات حتى لغير المحتاجين أمر إيجابي، لنشر روح حب العمل في المجتمع، والمشاركة في التنمية العامة للاقتصاد الوطني, خصوصا أننا مجتمع تمثل العمالة غير الوطنية نسبة تصل إلى نحو 50 في المائة من القوى العاملة في المملكة. وهذا يدعو إلى تساؤل مهم وهو: كيف توجد نسبة عالية من البطالة في المجتمع في ظل أن نصف القوى العاملة مستقدمة؟
هذا المقال لا يفهم منه عدم دعم الصدقات المباشرة للمحتاجين، بل دعم تنوع أنشطة المؤسسات الخيرية بما يدعم المجتمع.