نجاح السياحة الداخلية مرهون بكفاءة النقل الجوي
الحقيقة التي لا لبس فيها أن نجاح السياحة الداخلية مرهون بكفاءة وسائل النقل والمواصلات وفاعليتها، فتسهيل حصول المستهلك على المنتج من أساسيات مهارات التسويق وفن البيع. ومعلوم أن طبيعة المنتج السياحي تتعلق بالمكان ومرتبطة بالموقع, وبالتالي لا يمكن تصديره خارج البلاد كما المنتجات والسلع الأخرى, لكن بجلب المستهلكين إليه, هذه الخاصية للمنتج السياحي تجعل النقل, خاصة النقل الجوي محور عملية التنمية السياحية. ومن هنا فإن النشاط السياحي لا ينفك أبدا عن النقل كأحد عناصره الأساسية ووسيلة الجذب الأولى، فكلما كان النقل متوافرا ويعمل بكفاءة, كان الجذب السياحي أكبر. هناك مناطق نائية في بعض البلدان يصعب الوصول إليها, لكن يتم التخطيط والترتيب المسبق لتوفير وسائل متنوعة ومتعددة تجعل من هذه الوسائل في ذاتها جزءا من الترويح السياحي، فقد تنشئ مطارات صغيرة وتجهز حافلات وفي المناطق الوعرة تستخدم وسائل بدائية مثل الدواب, وربما كان المشي والتسلق ضمن تلك الوسائل. لكن يبقى أن هناك خطة لنقل السياح عبر مسارات محددة معروفة مسبقا لا يترك مجالا للعشوائية والخرص, فكل شيء محسوب بدقة منذ البدء بالحجز على الرحلة حتى انتهائها. وهذه حقيقة قد تغيب عن البعض في أن الاستمتاع بالنشاط السياحي يبدأ من قرار السفر والتفكير في اختيار الوجهة السياحية وترتيب الحجوزات وإنهاء إجراءات السفر والأنشطة والخدمات المتاحة في مطار المغادرة ومحطة الوصول والخدمة على متن الطائرة ومكان الإقامة وحتى العودة إلى الديار. في كل مرحلة من هذه المراحل نجد متعة (سهولة في الحجز)، ومتعة في المطار ومتعة في الطائرة وفي مطار الوصول, ومتعة في الانتقال إلى مكان الإقامة, ومتعة في أن تجد حجز الفندق أو مقر الإقامة معدا وجاهزا وهناك استقبال وحفاوة لك ولعائلتك, وهكذا حتى العودة. لذا هناك شراكة بين شركات الطيران والشركات السياحية, فكل طرف لا غنى له عن الثاني. المناشط السياحية تحتاج إلى من يجذب السياح إليها عبر وسائل النقل الجوية والبرية والبحرية, وفي الوقت ذاته تحتاج شركات النقل بجميع أنواعها إلى زيادة أعداد السياح الذين يرغبون في استخدامها, فذلك يمثل زيادة في الطلب والعوائد المجزية. هذا يتطلب فكرا اقتصاديا مستنيرا ورغبة أكيدة في خلق إمكانات وإيجاد فرص لتحقيق عوائد أكبر، وربما عوائد لم تكن لتتوافر لولا التعاون والتكامل بين أطراف المنظومة السياحية, وبخاصة مشغلي خدمات النقل والأنشطة الترفيهية والترويحية. إذاً القضية الأهم في تنمية السياحة الداخلية والعنصر الأساس في نجاحها هو وجهة جاذبة ووسائل نقل تعمل بكفاءة. ولذا كان من المهم جدا لنجاح السياحة الداخلية أن يمنح السائح خدمات نقل وإيواء ومناشط سياحية بكل يسر وسهولة وبمهنية عالية وذات قيمة ليتحقق رضاه الذي هو مفتاح التنمية السياحية. ومن هنا فإن أي قصور في هذا الخدمات, سواء في النقل أو الإيواء أو المناشط السياحية, تعدٍ على المصلحة الوطنية, لأن في ذلك إضرارا بتحقيق مصالح المواطنين سواء كمستثمرين أو مستهلكين. الفكرة هنا الحرص على رضا السائح, وأنه مقدر ومحترم, والتأكد من أنه يحصل على خدمة تساوي أو تفوق ما أنفقه من مال. السائح مثله مثل أي مستهلك يفاضل بين المنتجات السياحية حسبما يجلبه كل موقع أو خدمة سياحية من منفعة للريال الواحد. الناقل الجوي هو البوابة الأولى التي يلج من خلالها السائح, فإن كان خيرا فخيرا وإلا فلا. السائح الذي يقضي ساعات طويلة بسبب تأخر الرحلة أو إلغائها في مطار يفتقد وسائل الترفيه والتسوق وخدمات الإنترنت, سائح بكل تأكيد غير راض, والنتيجة الحتمية سمعة سيئة للسياحة الداخلية وتعزيز لمفهوم سلبي عنها قد يصعب من مهمة إثبات العكس في المستقبل. وهذا منحى خطير يقضي على الجهود الوطنية في تطوير صناعة السياحة. عندما يرى المرء الأعداد المهولة من المسافرين وقد عجت بهم صالات الرحلات الداخلية وضاقت بهم السبل بسبب تأخر رحلاتهم أو إلغائها, يعلم أن ثمة خطأ تنظيميا وقصورا إداريا، فتأخر إقلاع الرحلات هو المعتاد وليس الاستثناء. هذا يؤكد أن شركات الطيران الداخلية لم تخطط وأخذت على حين غرة, وكأن العطلة الصيفية التي هي موسم السياحة وذروته لم تكن في الحسبان, وربما لم تخطر على بال القائمين على الطيران الداخلي. وهذا يعني أن هناك من لم يقم بما يجب عليه من مسؤوليات, ليس في تطبيق الإجراءات, لكن بالتأكد من إنجاز المهام على أكمل وجه. لا يهم أن يحضر موظفو الخطوط أعمالهم في الوقت وينصرفون بالموعد المحدد، الأهم هو: كيف يؤدون أعمالهم ومستوى الخدمة وجودتها؟ إنه شيء محزن ومخجل أن يصطف السياح في طابور طويل يتعدى الـ 30 ولربما زادوا ولا يوجد إلا موظف واحد يتعامل بكل جفاء وغلظة وكأنه يقول ''نحن لسنا حرصاء على خدمتكم وأنتم غير مهمين''. عندما يتحول السائح إلى استجداء الخدمة فهو سائح لن يكرر هذه التجربة المريرة وسيبحث في المستقبل عن بديل للسياحة الداخلية. وهنا يتبادر إلى الذهن لماذا هذه اللامبالاة وتدني مستوى الخدمة إلى مستوى لا يمكن قبوله في دولة تسعى إلى تطوير صناعة السياحة, فضلا عن أنها دولة ذات اقتصاد قوي وقيم إسلامية رفيعة تؤكد على إتقان العمل ولها تجارب إدارية ناجحة؟ العتب كل العتب على الخطوط السعودية فهي الخطوط الأم، وهي التي يفترض أن تضع المعايير المرجعية العالية بحكم خبرتها الطويلة، لكن - مع الأسف - حتى في ظل المنافسة ودخول شركات طيران أخرى للسوق الداخلية, إلا أن تلك المنافسة انحصرت في تقليل التكلفة وليس رفع الجودة. الوضع لا يتعلق بحقوق المستهلكين وحسب, بل يتعداه إلى الإساءة للسياحة الوطنية وسمعة الوطن وصورته. ومن هنا يلزم أن يتم التعامل مع هذا الوضع الحرج والمحرج بكل صرامة وحزم, بحيث يصدر نظام يقنن العلاقة بين السائح (المسافر) وخطوط الطيران, تحدد فيه مدة التأخير وتعويض السياح ماديا ومعنويا, وألا نترك الحبل على الغارب لخطوط الطيران في أن تعامل السائح معاملة سيئة. يلزم أن تكون هناك معايير تحقق الحد الأدنى من الخدمة مثل ألا يتعدى طول الصف خمسة أشخاص, وأن يتم التعامل بلطف ولباقة مع المسافر. هذه أساسيات لا يمكن التنازل عنها إذا ما أردنا أن ننطلق في صناعة السياحة المكتنزة بالمنافع والعوائد الاقتصادية الكبيرة وتحقيق مصالح الوطن العليا في توفير الوظائف ذات الدخول المجزية والترفيه العائلي القيم, والحفاظ على الشباب من الانسلاخ الثقافي, والحد من تسرب الأموال إلى الخارج, والتعريف بالتراث الوطني, وغيرها. لقد عملت الهيئة العامة للسياحة والآثار الكثير في تهيئة البنى التحتية من نظم وخطط وإجراءات ولملمة صناعة السياحة التي كانت مبعثرة, لكن يخشى أن تذهب جهودها هباء منثورا ويقضى على السياحة الداخلية في مهدها إذا ما استمر حال النقل الجوي بهذا السوء.