خطاب مفتوح إلى وزارة المياه والكهرباء
إذا رجعنا إلى مجموعة التصريحات التي أطلقها المسؤولون في وزارة المياه والكهرباء منذ عام 2005، نجدها تقول في مجملها إن مشكلة المياه والكهرباء ستصبح من مخلفات الماضي وستختفي من الوجود تماماً في غضون خمس سنوات، وفي إحدى جلسات مجلس الشورى قال المسؤولون في الوزارة إن مشكلة العجز في المياه ستنتهي في غضون خمسة أشهر!
لكن إذا قرأنا الواقع بعد أن مرت السنوات الخمس، نجد أن مشكلة النقص في المياه والكهرباء مشكلة ستلازمنا طوال حياتنا، وستستمر معنا سنوات طويلة لا يعلم مداها إلاّ الله-سبحانه وتعالى - بل نستطيع القول إن مشكلة المياه والكهرباء ستزداد سوءاً مع تقادم الأيام، أي أننا رغم المليارات التي صرفت من الحكومة بسخاء على مشاريع المياه والكهرباء، إلا أننا لا نزال في المربع الأول ولم نتحرك إلى مربع الحل.
من ناحية أخرى، إذا ألقينا نظرة عجلى على الشوارع الرئيسة في مدننا الوارفة الجمال نجد أن الشوارع قد شوهت بنوعين من السيارات، وهما إمّا وايتات تحمل المياه الصالحة للشرب، وإما وايتات البيارات التي تحمل مخلفات البشر وتأخذها إلى حيث مصيرها المحتوم.
وهذه السيارات الثقيلة التي تدعس الشوارع بعنف وقسوة ودون هوادة تصيب أسفلتات الشوارع بالإعياء والانبعاج.
والنتيجة طبعاً أن هذه الشوارع الوارفة التي صرفت عليها الحكومة دم قلبها، وانبعجت بفعل فاعل، تحتاج إلى إصلاح، وعندئذ تتأهب البلديات وتقوم بدورها في طرح مناقصات إعادة سفلتة الشوارع مرة أخرى وربما ثانية وثالثة!
نحن إذن أمام مشكلة عاتية تتوالد عنها مشكلات مؤلمة، ولذلك فإنني ألتمس من المسؤولين في الوزارة إذا رأوا أن مشكلة النقص في المياه والكهرباء عصية على الحل أن يعودوا إلى مجلس الشورى من الغد ويطلبوا الكلمة من المجلس، ويفصحوا لممثلي الشعب عن قصة الإعسار في حل المشكلة، والجهود التي بذلوها للوصول إلى الحل، وما رؤيتهم لمستقبل هاتين المعضلتين العصيتين على الحل؟
ولو كنت من الذين يحضرون جلسات الاستماع في مجلس الشورى فإنني سأكون الأحرص على الحضور، ولن أتنازل عن قناعاتي بأن وزارة المياه والكهرباء مقصرة في حق الوطن والمواطن، وأن أقل ما يجب أن تقوم به الوزارة هو أن تنجح في توفير المياه والكهرباء طالما أن المليك المفدى شخصياً أمر باعتماد الأموال اللازمة لحل كل مشكلات المياه والكهرباء. كلنا يذكر أن خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز أعطى هذه الوزارة كل ما طلبت من المال والرجال والصلاحيات كي تتجاوز هذه المشكلة الكأداء، التي كانت وما زالت تتهدد المستقبل المشرق لهذه المملكة الفتية.
إن الحلول التقليدية لمشاريع كهذه لم يعد لها مكان في منظومة الحلول الذكية التي تعتمد على الابتكار في حل المشكلات العاتية، ونؤكد أن التجديد والابتكار هما الحل لمعضلات الحياة المعاصرة، بل هما المحرك الأساسي الذي يدفع الأمم إلى حل مشكلاتها والمضي قدماً على طريق التقدم والازدهار، لذلك فإن الوزارة يجب أن تخطو بخطى حثيثة نحو بناء اقتصاديات تزدهر فيها الأفكار وتترجم إلى استراتيجيات شاملة تنقلنا من اقتصاديات قائمة على الموارد الاقتصادية التقليدية إلى اقتصاديات تقوم على اقتصاديات المعرفة.
وهنا تحتاج الوزارة إلى أن تبني جسراً راسخاً مع مراكز الأبحاث، بحيث يهدف هذا الجسر إلى بناء كيانات يمكن أن ترعى الأبحاث وتسهل نقل التكنولوجيا بين مختلف القطاعات، إلى جانب إنشاء حاضنات تكنولوجية وواحات للعلوم والتكنولوجيا تتخصص في مجالات الموارد المائية.
وإذا كانت الموارد المائية واحدة من أهم الموارد الاقتصادية الوطنية، فإن عمليات الابتكار في مجالاتها المختلفة لن تكون سهلة، بل ستستغرق سنوات طويلة وتحتاج إلى إرادة وتخطيط وإمكانات هائلة.
نعم أتمنى على وزارة المياه والكهرباء أن تفتح مجموعة من القنوات مع مراكز الأبحاث والدراسات، وبالذات مع مؤسسة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ثم مع مراكز الأبحاث في الجامعات السعودية وأي مؤسسات بحثية عالمية، وأتصور بل أجزم أن هذه الجهات لديها برامج عن الموارد المائية من خلال مشاريع التجديد والابتكار وتكنولوجيا النانو أو اقتصاديات المعرفة.
ولا شك أن الزيادة في معدل النمو السكاني تقتضي إيجاد سبل جديدة لتقديم خدمات ابتكارية في مجالات مثل المياه والكهرباء، ونضيف إليها الصرف الصحي، ولا سيما إذا عرفنا أن نصيب استهلاك الفرد من المياه بين عامي 2003 و2007 في المملكة هو الأعلى على مستوى العالم، كما أن الزيادة في معدل استهلاك المياه في السعودية خلال العقد المقبل ستقترب من 52 في المائة، أي أننا بعد عقد واحد سنحتاج إلى ضعف كمية المياه التي ننتجها حالياً.
إن الشح في المياه والعجز في الكهرباء إذا ظلا يتأججان، فإن مشاريع التنمية وبرامجها ستتوقف وأحلام المسؤولين ستتراجع.
ونحن جميعاً ندرك أنه لا تنمية دون كهرباء أو ماء، فالكهرباء - على سبيل المثال - هو وقود التنمية، والماء هو حياة التنمية، ولا يمكن أن نتصور تنمية واسعة الأرجاء على أرض شاسعة الأنحاء من دون توفير الماء والكهرباء.
إننى أغبط قطاع المياه والكهرباء على الاعتمادات المالية السخية التي رصدت لمشاريعها، وأتصور أن الظروف الحالية ظروف استثنائية ويصعب أن تتكرر في المستقبل، بمعنى يصعب أن تكون بين أيدينا هذه الوفرة المالية، وبالتالي يصعب علينا أن نوفر هذا المال الهائل ونخصخصه لقطاعي الماء والكهرباء.
ولذلك يجب أن نستغل هذه الفرصة التي منحها الله -سبحانه وتعالى - لنا ونخلص في العمل من أجل مستقبل الأجيال القادمة في وطن رؤوم يحب دائماً أن يوفر لأبنائه كل الخير والنجاح.