"أوبك" ورياح الجنوب
الاجتماع الحادي والأربعون بعد المائة لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط "أوبك" الذي تستضيفه العاصمة الفنزويلية كاراكاس في مطلع الشهر المقبل ربما لا يعني شيئا كثيرا للسوق. فالقناعة التي تكاد تسود بأن المنظمة فقدت التأثير على مسار التي أصبحت تتحرك بفعل عوامل سياسية وأمنية أكثر من تحركها بفعل قوانين العرض والطلب، التي تراجعت إلى الخلف وإن لم تختف كلية إذا شئنا الدقة. وهذه القناعة لم تقتصر على محللين ومراقبين من الخارج، وإنما انداحت إلى داخل أروقة "أوبك" نفسها. واستيعابا لهذه الفكرة فيما يبدو توقع محافظ إيران لدى المنظمة حسين كاظمبور أردبيلي ألا تقوم المنظمة بخفض إنتاجها رغم أن واقع الأرقام يتطلب خفضا يصل إلى المليون ومائتي ألف برميل يوميا. والتصريح اللافت للنظر لأن إيران ظلت على الدوام في طليعة المنادين بخفض الإنتاج دعما للأسعار أو خوفا عليها من التراجع.
ومع أن اجتماعات "أوبك" ومداها الذي يستغرق يوما في العادة أصبحت محددة ومعروفة، إلا أن الاهتمام سينصب لمعرفة إذا كان لجغرافية المكان تأثير على اللقاء. فكاراكاس هي التي تقود حملة بدأت تتضح ملامحها من خلال انبعاث جديد لموجة من الوطنية التي تلتحف ثوبا نفطيا يستفيد من الارتفاع الحالي للأسعار وتحول السوق لصالح المنتجين مرة أخرى.
ففنزويلا وعبر قيادة رئيسها هيوجو شافيز عملت على عدة جبهات للاستفادة القصوى من العائدات النفطية الإضافية التي تدخل خزانتها. وكانت البداية بتأمين سلطة شافيز من خلال الإنفاق على العديد من المشاريع الاجتماعية، الأمر الذي مكنه من الصمود أمام مجموعة من المحاولات المختلفة لزعزعة سلطته إن لم يكن اقتلاعه منها سواء عبر الإضرابات أو الانقلاب العسكري أو قبول التحدي بالدخول في عملية انتخابية لتجديد الثقة برئاسته. وبعد انتصاره تحول إلى ميدانين آخرين: مساندة دول الجوار من خلال إضعاف النفوذ الأمريكي عليها. وخير مثال على ذلك المعاونة التي قدمها للأرجنتين وشراء قسم من ديونها بمبلغ 2.4 مليار دولار يستحقها صندوق النقد الدولي، وهو ما حرر الأرجنتين من وصاية الصندوق ومن خلفها واشنطن. ثم تشجيع بوليفيا على تأميم صناعة الغاز لديها والتحول لفرض سيطرة شركة النفط الوطنية الفنزويلية على أنشطة الشركات الأجنبية في البلاد. وتتجه الأنظار إلى الانتخابات المكسيكية التي ستجري في غضون شهرين، وإذا كان مرشح الوسط سيفوز أم ينفتح المجال أمام المرشح اليساري اتساقا مع ما تشهده بقية القارة، وبكل انعكاسات تطور مثل هذا على واشنطون.
وفيما يتعلق بصناعة النفط المحلية فقد بدأ شافيز في مراجعة الترتيبات التي برزت خلال العقد الماضي بالسماح للشركات الأجنبية بتقديم خدمات وإنتاج النفط الذي تبيعه للشركة الوطنية من خلال أوضاع قانونية كانت تضعها في مرتبة أعلى. التعديلات التي أدخلها شافيز تنص على أن تكون غالبية الأسهم، أو 60 في المائة تحديدا، في يد الشركة الوطنية. ومع أن بعض الشركات الأجنبية أبدت معارضتها، إلا أن الاغلبية سعت إلى توفيق أوضاعها.
هذه التطورات أسهم في انطلاقها تحسن وضع العائدات النفطية، ويمكن أن تستمر وتكتسب لها أبعادا أخرى متى ما ظلت الأسعار مرتفعة. وكما قال المدير التنفيذي لشركة رويال دتش/شل جيروين فان دير فيير إنه كلما ارتفعت أسعار النفط والغاز، تزايد التفكير الوطني في مقابل الشركات. فالحكومة هي الرئيس، أو كما قال.
إلى أي مدى سيسعى الرئيس شافيز إلى استغلال حضور الأعضاء في المنظمة إلى كاراكاس للحصول ولو على دعم معنوي لمواقفه هذه في شكل إشادة عابرة ولو في سطور قلائل أو تصريحات شفاهية؟ بداية ينبغي تذكر حقيقة أن النظام الاقتصادي غير عادل وعدم عدله هذا يعكس حقائق الوضع السياسي والعسكري وتوازنات القوة في العالم. كذلك فإن النفط وفر الفرصة الوحيدة حتى الآن في مسعى الدول النامية لتحسين فرصها. لكن ما يقوم به شافيز تمت تجربته من قبل، ومن المفيد جدا الاستفادة من تلك التجارب، وعلى رأسها أن السوق لا تثبت على حال. فالقوة التي يشعر بها المنتجون حاليا بسبب ارتفاع الأسعار ربما لا تستمر، لذا قد يكون من الأفضل تركيز الجهود في كيف يمكن تحقيق تنمية مستدامة لها القدرة على مقابلة احتياجات مواطنيها بدون أن يثقل عليها تحمل عبء الدعم الذي يقدم للعديد من السلع والخدمات في أوقات الطفرة.
كذلك يمكن الاستفادة من التغيرات التي ألمت بالسوق وعلى رأسها بروز مستهلكين جدد يتمثلون في الدول الآسيوية وشركاتها الوطنية، وهي أقرب في همومها واهتماماتها إلى دول "أوبك"، الأمر الذي يوفر فرصة لتفاهم أفضل يحتاج إلى الكثير من العمل الهادئ والصبور، والقليل من الشعارات والتحركات الطنانة إلى جانب الإحساس العميق بعامل الوقت وأن فترة الطفرة الحالية لن تستمر إلى الأبد.