رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ذلك المتقاعد!

لن أتحدث عن المتقاعد وما قدم وما أسهم, ولن يكون هذا المقال من نوع تلك الكلمات التي نودع بها متقاعدا عن عمله. ذلك أن قضية المتقاعد أهم وأخطر من ذلك, وما يتعرض له المتقاعدون من مضايقات أمر يجب الوقوف عليه ومجابهته, بل معاقبة كل من يمسهم بسوء. كيف وقد أمضوا زهرة الشباب في خدمة الوطن والمواطن؟ ولهم علينا حق الآباء على الأبناء, والوفاء من شيم العرب. ولقد كنت وما زلت أكن لهم الاحترام وأستغل كل فرصة للحديث معهم والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم. فما العلم الذي نعمل به اليوم إلا خلاصة موثقة لكل التجارب التي مر بها من سبقنا. نحن ـ كأكاديميين ـ نُنَظر من خلاصة مجموع تجارب المهنيين, ونحن محظوظون إلى حد بعيد ذلك أننا ندعي علما ليس بما علمتنا الحياة والتجربة العملية بكل مرارتها، بل بأننا قرأنا واستطلعنا كل التجارب وخلاصتها باستمتاع جنبنا ألم خوضها. وبقدر ما نحصل على تجارب أكبر ونستفيد من المهنيين الممارسين بقدر ما ترتقي قدراتنا على التحليل وفهم الواقع الحقيقي. في هذا الإطار - البراجماتي ـ أجد نفسي حريصا دائما على الاستفادة من خبرة كل مهني أو موظف ممارس أو متقاعد, خاصة إذا كًبُر سنه ورسمت الحياة بريشة تجاربها خطوطا متعرجة في شعره وعلى جبينه. وما شدتني إلى كتابة هذا المقال إلا حوادث كثيرة حصلت لي شخصيا أو لأقرباء أو أصدقاء أو سمعتها من متقاعد في فرصة سنحت للحديث معه.
وهنا سأورد قصة لأحد المتقاعدين, وأنا متأكد أن لدى كل منا قصته، فقد روى لي أحد المتقاعدين من أبناء هذا المجتمع أنه ذهب إلى إحدى المدن السعودية لإنجاز بعض الأعمال الشخصية وكان في حاجة إلى سيارة فلم يجد من يؤجر له لأنه ببساطة "متقاعد". نعم بهذه العبارة يقولون "أنت متقاعد ونحن لا نؤجر لمتقاعدين". أبعد أن كان مؤتمنا على كثير من الأمور المهمة في هذا الوطن أصبح مُخونا لأنه تقاعد؟ ثم يقول أيضا إنه يجد صعوبة كبيرة في الحصول على تمويل من أي جهة عندما يرغب في تمويل أموره الخاصة, والسبب أنه ببساطة ـ ومرة أخرى بل دائما ـ متقاعد! لقد أصبحت - كما يقول ـ صفة المتقاعد كما وصمة من العار تمنعه من استئجار سيارة, بل حتى من استئجار بيت.
إن معاملة المتقاعد بجفاء أمر انتشر واستفحل في مجتمع بدأت تغلب المادية الصرفة على تصرفاته. فهذا متقاعد آخر أقابله مصادفة على إحدى طائرات "الخطوط السعودية" التي لا تلقي بالا لهذه الفئة الغالية علينا مهما قدموا من خدمات لهذا الوطن ومهما بلغت تضحياتهم حتى إنها لا تمنحهم بعضا من تلك المميزات التي كانت لهم قبل التقاعد المر. قابلته وكان مستاء جدا من الدائرة الحكومية التي كان يعمل فيها سابقا, فلقد عمل على إحدى مشاريعها المهمة جدا بدءا من مرحلة التخطيط حتى بدأ التنفيذ مرورا بمرحلة المفاوضات الشاقة. ثم لما اقتربت لحظة الإنجاز وقطف الثمار جاء التقاعد قبلها. ولأن للنجاح 100 أب بينما الهزيمة يتيمة، ففي خضم نشوة النجاح تم تكريم أشخاص كثر لم يكن من بينهم, أشخاص لم يعملوا في هذا المشروع إلا في مراحله المتأخرة جدا وبعضهم لم يعمل فيه أبدا. أمر محزن فعلا, فالمسألة ليست نسيانا بقدر ما هي تجاهل وتعام. من منا شاهد أو سمع أن متقاعدا تمت دعوته كضيف من ضيوف الشرف وتم ذِكرُهُ في محفل بكثير الاحترام والتقدير على خلفية مشروع ما عَمِلَ يوما على إنجازه؟ إن الحضارة وفاء وعدل واحترام وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.
سمعت عن جمعية للمتقاعدين لكنني لم أسمع عن إنجازاتها شيئا, لم أسمعها تحمي متقاعدا وتسترد له حقه، تعرضت لموقف على خلفية أنني قد أكون متقاعدا، فقد ذهبت لطلب استئجار سيارة لكن العامل في المحل، وكان أجنبيا، رفض وقال ـ وعذرا للقارئ "بكل وقاحة" ـ إنه لن يؤجر لي لأنني سعودي! نعم والله بهذه العبارةّ لم أصدق ما أسمع وقلت نحن في السعودية وتقول لي هذا؟ قال انتظر لأسأل المدير. ولما طال انتظاري ذهبت إلى آخر فقال بطاقة العمل غير واضح فيها هل أنت متقاعد أم لا، قلت له البطاقة واضحة بأنني أعمل وكيف يمنحونني هذه البطاقة ولست أعمل؟ قال التاريخ قديم وقد تكون تقاعدت أو فصلت ونحن لا نعلم بذلك، انتهى الحديث بأنه لن يؤجر لي برغم تهديدي بأنني سأتصل بالجهات المسؤولة، عدت إلى الأول فقال المشكلة أنني ربما أكون متقاعدا, لكنه وافق على تأجير السيارة تحت مسؤوليته الخاصة. نعم قد أجد عذرا لبعض الجهات لعدم تعاملها مع متقاعد فلمن يلجأون لو تخلف عن السداد أو حصلت منه مخالفات؟ لذلك أتساءل بشدة: أين أنت يا جمعية المتقاعدين وأين دور الجهات التي سبق وعمل فيها المتقاعد؟ لماذا لا تُقَدم له وللسوق مثل هذه الضمانات بالتعاون مع التأمينات الاجتماعية؟
إن المتقاعد كنز كبير من المعرفة يجب احترامه وتقديره, وإذا كنت ألوم الجمعية على أنها لم تقدم الدعم النفسي أو المادي من خلال تسهيل إجراءاته أينما راجع وسكن, فإنني ألومها أكثر على أنها لا تقدم تجارب هؤلاء المتقاعدين ـ وهي كنز كبير وضخم من المعرفة ـ إلى المجتمع من خلال برامج ولقاءات خاصة أو برامج وثائقية. وإذا كانت بعض القنوات قد أصمت آذاننا لسنوات بحروب العرب وتاريخهم الأسود في الانقلابات فلماذا لا ترعى القنوات السعودية برنامجا لسبر أغوار التقاعد ومعرفة أسرار المتقاعدين وتجاربهم؟ ثم لماذا لا يوجد برنامج أو مشروع تشرف عليه الجمعية وتموله جهات متعددة منها الجامعات ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وكذلك الشركات الكبرى لتوثيق تلك التجارب في كتب ودراسات؟
وبالعودة إلى صديقي المتقاعد الذي قابلته على متن الطائرة, الذي أدهشني بقراره أن يكمل مشروعه التعليمي بعد أن تقاعد. فذهب إلى جامعة الإمام للحصول على درجة الدكتوراه وبالفعل حصل على القبول وبدأ دراسته بعد التقاعد, وهو الآن على وشك الحصول على الدكتوراه في تخصصه الذي طالما عمل فيه. إنني أعتقد أن مثل هذا الإنسان بكل هذا الطموح ورغم كل العوائق سيكون مختلفا جدا لأنه جمع خبرات السنين مع نظريات وتجارب الآخرين على طول العالم وعرضه وهو أفضل ـ وأراهن ـ من آلاف المستشارين الذين يفدون إلينا برا وبحرا. فقط نهتم بهذه الثروة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي