عندما نحمّل النص أكثر من طاقته
هل هناك حدود لتفسير وقراءة النص إن كان دينيا أو دنيويا؟ هذا سؤال قلما نثيره وإن أثرناه نادرا ما نكترث له. النص يشبه في كثير من الأوجه الكائن الحي. كما أن الكائنات الحية لها طاقات محدودة لا تستطيع تجاوزها، وكما أن الكائنات الحية تختلف طاقاتها من حيث الزمان والمكان كذلك طاقة النص من حيث القراءة والتفسير.
وحدود القراءة والتفسير ليست مطلقة وثابتة. أشرنا في الحلقات السابقة للقراءات المختلفة للنصوص السماوية وكيف أن الناس لا تتفق على قراءة محددة. وذكرنا مسألة اختلاط الجنسين وكيف أن بعض المسلمين يرونه أمرا عاديا، غير مناف للنصوص المقدسة، ويراه الآخرون أمرا منافيا يعاقب المرء عليه أشد العقاب. لكل طرف قراءته الخاصة وكل طرف يعتقد أن الحق والنص معه. أنا لست بمورد القول من منهما يحمّل النص أكثر من طاقته. أترك ذلك للقارئ اللبيب.
ولكن بإمكاننا التوصل إلى فرضية عامة لا تجانب الحقيقة إلا ما ندر. والشاهد على ذلك هو التاريخ بقديمه وحديثه. هذه الفرضية تقول إن النص يُحمّل أكثر من طاقته في الأزمنة والأمكنة التي يحتل فيها أناس محددون دور القراءة والتفسير، أي عندما يقوم هؤلاء باحتكار المعرفة والسلطة. وهذا يحدث في الأزمنة والأمكنة التي يستبد أشخاص أو منظمات محددة بالسلطة فيها. ويُحمّل النص أوجها وطاقات قد تؤدي إلى غرض عكس الغرض الذي نزل أو كُتب من أجله ولا سيما عندما يتواطأ رجال الدين مع السلطة أو تستند السلطة في شرعيتها إلى رجال الدين أو يصبح رجال الدين جزءا من السلطة ذاتها.
دعنا الآن نبرهن أن هذه الفرضية صحيحة في أغلب الأحيان. في القرون الوسطى في أوروبا استندت السلطة في شرعيتها إلى رجال الدين وبرز دور رئس السلطة الدينية، والذي يتمثل اليوم ببابا روما، وكأنه قيصر وإله الدنيا. في يده كان العقد والحل في أمور الدنيا والآخرة وفي يده كانت القراءة والتفسير حتى وصل الأمر درجة أن الناس كانت تهتم بما يقوله ويفسره ويقرؤه أكثر من النص السماوي المنسوب إلى عيسى بن مريم، نبي المسيحية. وهكذا زاغت المسيحية في متاهات محاكم التفتيش وصكوك الغفران وعبادة الأشخاص (القديسين) والحروب الصليبية وغيرها وصار الكلام المنزل على عيسى في آخر سلم الأولويات لدرجة أن أحد البابوات قبل سنين قليلة صرّح بما معناه أن إنجيل عيسى بن مريم لا يزال مجهولا لدى الكنيسة التي عليها إعادة اكتشافه، هذا بعد مضي نحو 2000 سنة على الرسالة التي أنزلها الله على نبيه عيسى. ماذا فعل رجال الدين من المسيحيين؟ إنهم حمّلوا النص أكثر من طاقته، أي بمعن آخر زاغو عن القراءة الصحيحة وفضلوا قراءة النص على هواهم وهكذا صار ما يقوله رجل الدين أهم مما يقوله الإنجيل.
وهل بإمكاننا البرهنة على هذه الفرضية من الواقع العربي والإسلامي؟ لا أعتقد أنه بإمكاننا القول إن مسيرة التاريخ تخلو من المقارنات والمقاربات. يعتقد كثيرون من المختصين أن الإسلام لا يختلف كثيرا عن المسيحية أو بالأحرى اليهودية. أنا أختلف مع هذا الرأي وأقول إن الإسلام لا يربطه إلا القليل مع الأديان السماوية الأخرى. ودليلي على ذلك هو حقيقة أن القرآن - حسب علمي - لا يقتبس نصا واحدا لا بل كلمة واحدة، كما وردت في الإنجيل أو التوراة. آمل أن لا أكون مخطئا، إلا أن القرآن يعيد حتى صياغة وحبكة قصص الأنبياء مما يبعدها كثيرا عن كيفية سردها في التوراة.
لماذا لم يقتبس القرآن أي نص من الإنجيل أو التوراة كما هو؟ سآتي إلى ذكر ذلك في رسالة قادمة بعون الله. ولكن هناك في الإنجيل والعهد الجديد (الذي يشمل رسائل بعض حواريي عيسى) نصوص كثيرة مقتبسة اقتباسا مباشرا من التوراة ما حدا بالكنيسة إلى إضفاء صفة القداسة على التوراة، كما ترد عند اليهود واعتبارها نصا منزلا شأنها شأن الإنجيل. ولكن كل هذه الاختلافات التي سنتحدث عنها بعون الله في المستقبل لا تمنح الإسلام ونصوصه الحصانة من تأثير القراءات المختلفة والتفاسير المتضاربة وتأثير الزمان والمكان وسلطة رجال الدين في تحميل النصوص أكثر من طاقتها خدمة لمأرب خارج نطاق الغرض الذي أتت من أجله الرسالة.
ألم يقم رجال الدين من المسيحيين بتغيير أصول الإنجيل وإتيان أمور بعيدة كل البعد عن النص؟ هل حدث ويحدث ذلك في الإسلام؟ لنترك هذا الأمر المهم للرسالة المقبلة، ولكن لنتأمل معاً حتى ذلك الحين هذا النص القرآني الذي يحتلني كلما قرأته: «وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم».
إلى اللقاء