كيف ستنفق شركات النفط الكبرى ملياراتها؟
تعاني شركات النفط الكبرى من مشكلة: فهي غارقة في بحر من مليارات الدولارات التي جنتها نتيجة انهمار أعظم ثروات الطاقة في التاريخ. فكيف ستنفق هذه المبالغ؟ توجد خيارات عديدة أمام هذه الشركات. فبإمكانها توزيعها على المساهمين، أو إنفاقها على تحديث البنية التحتية المترنحة لمنشآتها، أو التدافع في سباق محموم لابتلاع شركات منافسة لها في سبيل تأمين المزيد من المواد التي جعلتها على هذه الدرجة من الغنى. أو لعلها ستعوم كبار المديرين التنفيذيين لديها على بحر لا حد له من الثروات وتتجاهل صرخات الاحتجاج الحادة من جمهور يغلي غضباً.
وفي أثناء ذلك يريد المستثمرون أن يسمعوا أخباراً حول ما إذا كانت لدى الشركات العالمية، التي من قبيل "إكسون" و"شيفرون"، استراتيجية لتفادي هجمة تشريعية على الصناعة والاحتفاظ بأموالها وتشغيلها للحصول على الأرباح.
يقول نيك كاتشيونه، المدير المشارك للأبحاث في شركة جون س. هيرولد المتخصصة في أبحاث صناعة النفط: "ستقوم الشركات باستثمار المبالغ التي تحتاج إليها، وستوزع المبالغ الفائضة مباشرة على المساهمين. وسيستمر هذا الاتجاه طالما بقيت أسعار النفط مرتفعة".
ونحن نتحدث هنا عن مبالغ خيالية. فقد ذكرت هذا الأسبوع ثلاث أكبر شركات نفطية في الولايات المتحدة، وهي "إكسون موبيل"، "شيفرون"، و"كونوكوفيلبس"، أن مجموع صافي أرباحها للربع الأول من هذا العام بلغ 15 مليار دولار، نتيجة للأرقام القياسية لأسعار النفط التي لا يبدو عليها أي أثر للتراجع عن قريب. وفي هذا الشهر فقط وصل سعر برميل النفط الخام في العقود الآجلة في نيويورك إلى 75 دولاراً، الأمر الذي أثار تكهنات بأن سعر 100 دولار للبرميل الواحد لم يعد ضرباً من ضروب الخيال كما كان عليه الحال من قبل.
وفي الوقت نفسه، ارتفع سعر جالون البنزين مرة أخرى في الولايات المتحدة ليصل إلى ثلاثة دولارات، حيث لم يصل إلى هذا المستوى منذ أن ضرب إعصار كاترينا منصات الإنتاج ومعامل التكرير في خليج المكسيك، وأدى إلى الكشف عن العيوب التي تعتور سلاسل التوريد، معامل التكرير، وأنظمة التوزيع التي لم يعد بمقدورها مجاراة الطلب.
ويرى مارشال أدكينز، مدير أبحاث الطاقة لدى شركة ريموند جيمس للخدمات المالية في هيوستن أن هذه الشركات لا تنسى أنها خارجة من فترة طولها 20 عاماً عانت فيها من هبوط الأسعار. صحيح أن المستهلكين استفادوا فائدة كبيرة في تلك الأثناء، ولكن شركات النفط عانت معاناة كبيرة منها.
جدير بالذكر أن سوق الأسعار الرخيصة للطاقة ولدت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين أغرقت السوق بالنفط الخام، ما دفع الأسعار إلى الهبوط من 35 دولاراً إلى عشرة دولارات للبرميل الواحد، ومهد السبيل أمام جيل من النفط الرخيص، السيارات الفارهة، واقتصاد مزدهر قائم على الاستخدام الكثيف للوقود الأحفوري. ولكن أيام الخير لم تأت مجاناً.
ويضيف أتكنز: "في تلك الأيام، تدنى مستوى البنية التحتية إلى حد كبير. وتحملت شركات النفط المزيد من الديون، وتضعضع وضعها المالي. ولكن الأحوال انقلبت خلال السنين الخمس الأخيرة. وللمرة الأولى في تاريخ الصناعة استطاع الطلب اللحاق بالعرض وتم عبور هذا الخط. وهذا هو السبب في ارتفاع أسعار النفط إلى ما هي عليه هذه الأيام".
ومع تصاعد الموجات المتتالية من المبالغ النقدية التي كانت تتدفق إلى خزائن الشركات، كان أول مشروع بالنسبة إليها هو تحسين وضعها المالي من خلال تسديد جزء من ديونها. وحسب البيانات التي أعدتها شركة الأبحاث جون س. هيرولد، فإن هذا ما فعلته بالضبط أكبر ثلاث شركات نفطية أمريكية. ففي الفترة من 2002 إلى 2005 انخفضت الديون الكلية لـ "إكسون موبيل"، "شيفرون"، و"كونوكوفيلبس" بنسبة 20 في المائة من 36.7 مليار دولار إلى 29.2 مليار دولار.
ويذكر أدكنز أن الشركات بعد أن تخففت من بعض ديونها فإن الخطوة التالية للصناعة كانت ضخ الأموال في سلسلة التوريد، بدءاً من فوهة البئر وانتهاء بمعمل التكرير. وكان نقاد الصناعة يعترضون بحدة على غياب الاستثمارات في هذا المجال الحيوي، واتهموا الصناعة بأنها كانت تعاني من تجاهل مزمن للمصروفات الرأسمالية حين كان النفط رخيصاً والأرباح لا تذكر.
ولكن الصناعة تنكر بشكل قاطع تهم الإهمال، وإن كانت تقر بأن معدلات الإنفاق زادت مع ارتفاع أسعار النفط، على اعتبار أن توافر المبالغ النقدية أصبح ميسوراً أكثر من ذي قبل.
ويقول ديف جاردنر، المتحدث باسم "إكسون موبيل": "نحن نستثمر في الصناعة بشكل متصل، ونتوقع أن نستثمر نحو 20 مليار دولار سنوياً خلال السنوات الخمس المقبلة. وفي العام الماضي وحده وصل سقف الإنفاق في إكسون مبلغ 17.7 مليار دولار. ولكن المبلغ لا يزال أقل من نصف صافي الأرباح التي بلغت 36.1 مليار دولار لأول مرة في تاريخ الشركة.
وقالت "شيفرون" إنها تعتزم إنفاق مبلغ 14.8 مليار دولار هذا العام، أي بزيادة قدرها 35 في المائة على المبلغ الذي أنفقته العام الماضي ومقداره 11 مليار دولار، وهو رقم يقارب صافي أرباحها البالغة14.1 مليار دولار. ومن ناحية أخرى، فإن "شيفرون" بحاجة إلى إنفاق مبالغ أكثر من "إكسون" للحصول على احتياطيات جديدة بدل احتياطياتها المتدنية.
لكن أين تذهب بقية الأموال إذاً؟ صحيح أن لي ريموند، الذي تقاعد حديثاً من منصب كبير المديرين التنفيذيين في "إكسون موبيل"، غادر الشركة بمبلغ لا بأس به وهو 400 مليون دولار من المدخرات التقاعدية، إلا أن المساهمين سالت بضع قطرات في جيوبهم كذلك.
ويقول كاتشيونه: "لم تتحسن الأمور تحسناً كبيراً بالنسبة لحركة النقد إلا في السنوات القليلة الماضية فقط، ولهذا تمكنت الشركات من مكافأة المستثمرين، الذين مضى عليهم من عشر سنوات إلى 15 سنة لم يسمعوا فيها أخباراً سارة". ويضيف: لكننا نرى الشركات الآن تعطي مساهميها مزيداً من الأرباح، ونتوقع استمرار الأمور على هذا النحو. لاحظ أن مصروفات الفوائد على القروض معفاة من الضرائب، ولذلك تجد الشركات أن من الأنسب لها ألا تسدد جميع الديون المسجلة في قيودها، وإنما أن تعيد شراء أسهمها أو أن تدفع مزيداً من الأرباح على الأسهم.
واستقر هذا الاتجاه منذ فترة. ففي عام 2003، اشترت "إكسون موبيل" ما قيمته 4.8 مليار دولار من أسهمها العامة من السوق المفتوحة. ولم يزد إجمالي مشتريات "شيفرون" من أسهمها على ثلاثة ملايين دولار، في حين أن "كونوكوفيلبس" لم تشتر شيئاً. أما في العام الماضي فبلغ مجموع مشتريات الشركات الثلاث من أسهمها 22.7 مليار دولار، وكان لـ "إكسون موبيل" فيها نصيب الأسد، حيث إنها دفعت 18.2 مليار دولار.
وبالمثل فإن شركات النفط الكبرى توزع أرباحاً على أسهمها تزيد على ما كانت تدفعه قبل بضع سنوات فقط. وحسب بيانات شركة جون س. هيرولد، ارتفعت توزيعات الشركات الثلاث إلى المساهمين بنسبة 26 في المائة لتصل إلى 12.6 مليار دولار في عام 2005 بعد أن كانت أدنى قليلاً من عشرة مليارات دولار في عام 2003.
ويقول المحللون إنه بما أن المساهمين يشعرون إلى حد ما بالرضا حول استثماراتهم، فإن بمقدور شركات النفط الآن أن تحول أنظارها وجهة عمليات الاستحواذ. وبالنسبة لعدد من هذه الشركات، فإن الاستحواذات هي السبيل الوحيد المتوافر أمامها.
وتتدافع الصناعة لتأمين الاحتياطيات بمعدل حركة يسير جنباً إلى جنب مع الطلب الذي يتزايد باستمرار. وهذا يعني أن تكاليف التنقيب والتطوير ستقتطع المزيد من رأس المال، ويعود بعض السبب في ذلك إلى فقدان جزء من الطاقة الإنتاجية أثناء السنوات الضعيفة. وعلى سبيل المثال فإن هناك نقصاً في أجهزة حفر الآبار في مختلف أنحاء العالم، ولذلك فإن أصحابها يؤجرونها الآن لشركات النفط مقابل رسوم هائلة، إذ إن استئجار جهاز الحفر الأساسي على اليابسة في أمريكا الشمالية يكلف الآن 18 ألف دولار يومياً، أي ضعف الأجرة التي كانت مطلوبة قبل عام واحد فقط بمقدار تسعة آلاف دولار. أما أجهزة الحفر العملاقة "نصف الغاطسة" التي تستخدم للمناطق المغمورة في مختلف أنحاء العالم فقد ارتفعت أجرتها اليومية من 150 ألف دولار إلى نصف مليون دولار خلال الفترة نفسها.
كما أن الطفرة في عمليات التنقيب أدت إلى حدوث نقص في عدد المهندسين وموظفي الخدمات المدربين في مختلف المجالات مثل إنشاء الآبار وجيولوجيا المكامن.
ويقول أدكنز: إن التحدي الذي تواجهه شركات النفط هو القيام بعمليات تنقيب واسعة وفي الوقت نفسه إنتاج كميات كبيرة. ولكن هناك عوائق أمام الصناعة في كل خطوة تخطوها على هذا الطريق.
وهذا يعني أن شراء الاحتياطيات الثابتة وسيلة أرخص في الغالب، وتكاد تكون أسرع الوسائل، للتعويض عن الاحتياطيات المتناقصة. وما يدل على هذا الاتجاه توقيع صفقتين كبيرتين للغاية في العام الماضي: صفقة شراء "شيفرون" لشركة يونوكال بقيمة 17.3 مليار دولار، وصفقة استحواذ "كونوكوفيلبس" على "بيرلنجتون رسورسز" بقيمة 35.6 مليار دولار.
وعلى المستوى العالمي تضاعفت خلال العام الماضي موجة الاندماجات والاستحواذات في قطاع النفط لتصل إلى 160 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تبلغه منذ عام 1998، وهي السنة التي قررت فيها "أكسون" و"موبيل" ضم قواتهما معاً والاندماج في شركة واحدة. حيث إن الشركات الكبرى تواجه تحديات قاسية أمام نموها، بما في ذلك التحديات من الاقتصادات المتنامية بسرعة في الهند والصين، فإن من المرجح أن الأسعار والمغانم ستكون أعلى حتى من ذلك في 2006 – 2007.
ويقول كاتشيونه: من المؤكد أن الشركات الكبرى تتمتع الآن بكميات هائلة من السيولة. أما بالنسبة لعمليات الاستحواذ، فإن أية شركة بخلاف الشركات الكبرى يمكن أن تكون عرضة للاستحواذ من قبل جهة أو أخرى.
وتظهر شركات النفط والغاز الساعية إلى استحواذ الاحتياطيات ميلاً للاستحواذ على احتياطيات غير تقليدية، مثل الرمال النفطية وحقول النفط التي تحتوي على أنواع ثقيلة من الخام التي تحتاج في العادة إلى جهود أكبر لاستخراجها وتكلف أكثر عند التكرير.
كما يشير محللو الصناعة إلى رغبة الشركات المتزايدة في شراء احتياطيات "محتملة" أو "ممكنة" بدلاً من الاحتياطيات "الثابتة" التي عثرت عليها واستخرجتها جهة أخرى. وهذه إشارة أخرى إلى أن تدفق دولارات النفط يزيد بالتدريج من شهية شركات النفط الكبرى للمخاطرة والمجازفة بعد عقدين من تحصن كبار التنفيذيين فيها خلف مواقع حصينة لتجنب المجازفات.