رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لماذا تخلى المجلس البلدي عن الأمانة؟!

 هناك عرف سياسي لدى المشتغلين في الشأن العام وصياغة السياسات العامة, وهو السعي في دعم ومساندة قضاياهم وآرائهم من خلال عدة وسائل من أهمها دعم القيادات التي تحمل التوجهات والأهداف والقيم التي يؤمنون بها ويتبنونها، فالسياسات العامة تقوم في جوهرها على وضع أولويات العمل الحكومي، وهذا بلا شك يتطلب قوى دافعة ومؤثرة في المستويين الرسمي والشعبي لخلق حراك في الاتجاه المطلوب وصياغة الرأي العام المحلي، فالنظر للقضايا العامة ونقاشها وفهمها والحكم فيها مسألة نسبية تعكس حالة من التباين في الآراء وتفاوت الاحتياجات والتفضيلات بين الأفراد والجماعات في المجتمع. وهنا يبرز دور القيادات, خاصة الرسمية, في تعزيز المواقف والإسهام في تشكيل الوضع العام وتهيئة المناخ لتقبل التغيرات الطارئة. هذا لا يعني أن تكون هناك حالة من الانسجام التام بين القيادي والداعمين له، لكن درجة من التوافق تكون كافية على أقل تقدير للتعاون والتلاقي حول الموضوعات الرئيسة وتحقيق المصالح الكبرى التي لا يمكن لطرف تحقيقها دون مساندة الآخر. بطبيعة الحال هذا الحراك الاجتماعي السياسي يتم من خلال القنوات الرسمية, التي من أهمها مجلس الشورى ومجالس المناطق والمحلية والبلدية وغيرها. وقد تكون المجالس البلدية في هذا السياق الأكثر تفاعلا في الشأن العام نظرا لطبيعة القضايا المحلية التي تمس سكان المدينة مباشرة وبشكل يومي من ناحية، وكونها, أي المجالس البلدية, هي الوحيدة التي تضم أعضاء منتخبين يمثلون المواطنين بشكل مباشر ويحملون على عواتقهم هموم المدينة, إضافة إلى الأعضاء المعينين من ناحية أخرى. ولذا نجد أن القرارات والمشاريع البلدية دائما تكون تحت المجهر ورقابة المجتمع المحلي مقارنة بالقرارت المركزية الوطنية. وهذا يقودنا إلى الحديث عن دور المجالس البلدية وعلاقتها بالأمانات والبلديات وأسلوب صنع القرار البلدي. المجالس البلدية جزء من التكوين الإداري للأمانات والبلديات, فهي ليست منفصلة, وهذا الوضع يحتم التعاون والتكامل والرؤية المشتركة بين الأمانة أو البلدية وأعضاء المجلس لضمان نجاح مهمة العمل البلدي. هناك تجارب تشير إلى عجز البلديات ومجالسها عن الانسجام, فقد ظهر على السطح كثير من النزاعات والتصادمات أدت إلى جفوة وفجوة بين الشريكين عطلت العمل البلدي وقللت فاعليته وأثرت سلبا في التجربة الجديدة للمجالس البلدية . أصل هذه الخلافات يرجع إلى الاختلاف في التوقعات للأدوار والمهام, فهناك مجالس ترغب في تولي مسؤوليات ومهام أكبر مما يتيحه النظام، وفي الوقت ذاته يلبس بعض أعضاء المجالس, خاصة المنتخبين منهم, مفهوم أن المجالس أنشئت من أجل التحكم في البلديات وممارسة التسلط باسم الناس، وفي المقابل نجد أن بعض الأمانات والبلديات أحجمت عن التعاون وأدارت ظهرها لمجالسها ولم تعرها الاهتمام لتؤكد تفردها في عملية صنع القرار البلدي. وهكذا نشأت الخلافات وتعاظمت ليس في دائرة القضايا المهمة والاستراتيجية وحسب, لكن بلغ الحال حتى الموضوعات الروتينية البسيطة الهامشية, فبين القوة البيروقراطية التي يمتلكها أمناء ورؤساء البلديات والضغوط الاجتماعية على أعضاء المجالس كممثلين منتخبين دارت حرب ضروس في محاولة لإثبات الذات وتشكيل الواقع البلدي وأسلوب صنع القرار. في هذه النزاعات الكل خاسر, وفي مقدمتهم سكان المدن, الذين أسهم كثيرون منهم بفهم ضيق في إذكاء هذه الصراعات تارة من منطلق أيديولوجي فكري منغلق, وتارة أخرى من منطلق التشفي بكلا الطرفين، لأنهم رأوا أن هذا التنافس المحتدم ليس من أجلهم, إنما هو صراع تنظيمي داخل دهاليز البيروقراطية البعيدة عن اهتماماتهم وهمومهم ومصالحهم الحقيقية. هذه التجارب الصعبة والمحبطة في عمل بعض المجالس البلدية التي فشلت في تحقيق ولو النزر اليسير من التطوير تقابلها تجارب ناجحة في ظل الدائرة الضيقة للصلاحيات المتاحة للجهاز البلدي ومجلسه. أحد هذه النجاحات مجلس بلدي مدينة الرياض، فقد أتيحت لي الفرصة للاطلاع من كثب عبر دراسة مستفيضة ميدانية لتوثيق التجربة وإعداد تصور مستقبلي للعمل البلدي من واقع التجربة الأولى في تحديد الفرص والمعوقات كنت قد بدأتها ولم تكتمل بعد. ويمكن القول إن الفضل في الانسجام والتوافق بين المجلس والأمانة يعود إلى النضج الإداري والتنظيمي والثقافي للطرفين, فالأمانة رأت أن المجلس داعم ومساند لمطالبها ويمنحها القوة في الحصول على الموارد اللازمة لمشاريعها وتحقيق أولويات السكان، وفي الوقت ذاته تفهم أعضاء المجلس دورهم وزيادة درايتهم بواقع العمل البلدي من خلال العروض التي قدمت من مختلف الإدارات والأقسام في الأمانة, التي اتصفت بالشفافية والمصارحة ووضعت جميع القضايا على الطاولة. هذا التوجه نحو التعاون والتركيز على المصلحة العامة وما ينفع الناس تجلى في أسلوب رئيس المجلس المنفتح على الجميع والتعامل المهني الذي شجع أعضاء المجلس بعقلياتهم المستنيرة وتخصصاتهم المتعددة إلى العمل بروح الفريق والبحث عن الإمكانات المتاحة والفرص المواتية. لقد وجد أعضاء المجلس في رئيسهم القيادة الجذابة المؤثرة وتلاقوا معه على القيم والرؤى وما ينبغي عمله. قد لا يكون هناك كثير من الإنجاز المتحقق الذي يرتقي إلى مستوى تطلعات سكان العاصمة الرياض, لكن بكل تأكيد أسس المجلس لتقليد في الحوار والنقاش الفاعل وفهم للعمل النيابي وثقافة جديدة في مناقشة القضايا العامة بنظرة مشتركة والبحث عن صيغ توافقية والعمل في دائرة الممكن والأفضل. في ظل هذا الجو المفعم بالتعاون والانسجام والمسؤولية المشتركة كان من المتوقع أن يقف أعضاء المجلس مع الأمانة في أزمة السيول وأن يشرحوا للعموم بناء على فهمهم واطلاعهم على دواخل الأمور أن ما حدث كان خارج سيطرة الأمانة ودائرة تأثيرها, وطرح الأسباب الحقيقية كما علموها. هذا هو الموقف الذي كان من المفترض على أعضاء المجلس تبنيه، يحتمه عليهم العرف السياسي ويمليه واجب التضامن مع شريكتهم الأمانة وروح الفريق, فضلا عن مسؤوليتهم تجاه ناخبيهم في توضيح ما حدث بكل حيادية ليكون الجميع على دراية بدلا من التزام الصمت في وقت كان عليهم الحديث تصريحا لا تلميحا. الدعم والمساندة ليس للأمانة أو لشخص أمينها رئيس المجلس وحسب، إنما تسجيل موقف يعبر عن رؤيتهم بأن ما حدث كان خارج إرادة الأمانة ومجلسها والإفصاح بأن الصلاحيات الضيقة لا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عواتق المسؤولين عن إدارة الشأن البلدي. إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث, فقد تركوا الأمانة في الساحة تواجه سيل الانتقادات بأنواعها الإيجابية و السلبية وكأن لا علاقة لهم بالأمر! عدا تعليقات خجولة من بعض الأعضاء, جاءت كرد فعل لا كفعل، ولولا تصريحات أمين عام المجلس المهنية ومبادراته الشخصية لغاب المجلس إعلاميا. وهكذا يبقى السؤال الاستنكاري مطروحا: لماذا تخلى أعضاء المجلس البلدي عن الأمانة؟

 

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي