منظمة التجارة العالمية .. البريق الكاذب!

بعد أن انفجرت الأزمة المالية العالمية في أيلول (سبتمبر) 2008 بدأ بريق منظمة التجارة العالمية يختفي رويداً رويداً، وبدأت أخبارها المثيرة تفقد إثارتها، واليوم يتعرض الاتحاد الأوروبي لأزمة من العيار الثقيل، وإذا لم يتم تدارك هذه الأزمة، فإنها ستؤدي إلى فشل المشروع الاقتصادي الأوروبي برمته.
ومع ذلك تغط منظمة التجارة العالمية في سباتها العميق ويقول أنصارها إنها ليست معنية بهذه الأزمات، وقبل ذلك كانوا يقولون إن المنظمة ستعالج كل الأزمات وستفتح خزائن الدنيا لكل الأعضاء، وسيشهد عالمنا الاقتصادي على يديها ازدهاراً ورواجاً لا مثيل لهما في كل أطوار التاريخ الإنساني. والمؤسف أن جميع دول العالم كانت تبذل جهداً مضنياً للظفر بالانضمام إلى المنظمة، لكن اليوم لا أحد يقول إنه يرغب في الانضمام إلى هذه المنظمة (المقلب!). وسبق أن ذكرت في مقال سابق أن المملكة بذلت جهداً مضنياً استمر 15 عاماً حتى تلطفت علينا المنظمة وقبلت عضوية المملكة، وقالت المنظمة في معرض خطاب قبول المملكة إنها تتيح للاقتصاد السعودي مزيداً من فرص النمو وفرص الإثراء والثراء من خلال الانضمام إلى المنظمة. ومضت ثلاثة أعوام على العضوية ولم يستفد الاقتصاد السعودي بأي شيء يستحق الذكر، لكن ما حدث هو العكس، لقد أصيب النظام المالي العالمي في أيلول (سبتمبر) 2008 بضربة قاضية وشلل في كل أطرافه، ونتيجة لهذا الانهيار، امتدت عدوى المرض إلى اقتصادات جميع دول العالم وأصيبت اقتصاداتها بجلطات وسكتات تسببت في خسائر فادحة في المال والأعمال.وهنا أعود مرة أخرى وأطرح سلسلة من الأسئلة المريبة وهي: أين منظمة التجارة العالمية من الأزمة المالية العالمية؟ ولماذا لم يكن لها دور أو حتى رأي في مواجهة الأزمة العالمية؟ ولماذا اختارت أن تتوارى عن أنظار الإعلام الذي كانت تعتلي منصاته كل يوم وكل ساعة؟ وأين وعود المنظمة التي قالت إنها ستضاعف معدلات التبادل التجاري بين الدول الأعضاء وإنها ستنعش اقتصادات كل الدول الأعضاء؟ وهل وقعنا ضحية أكذوبة كبرى اسمها منظمة التجارة العالمية كلفتنا ضياع مليارات الدولارات مع سقوط أسواق المال وانهيار شركات وبنوك أمريكية وأوروبية كبرى؟ وأين (الخبراء!) الذين كانوا يسبحون بحمد هذه المنظمة وكانوا يتوعدوننا بالويل والثبور إذا لم ننضم بسرعة إلى عضوية المنظمة؟ هل الخبراء الذين كانوا يديرون ملف الانضمام إلى المنظمة سواء من موظفي وزارة التجارة أو من موظفي وزارة الخارجية كانت خبراتهم متواضعة، فوقعوا ضحية دعايات مضللة، وإذا كانوا لا يدركون حجم الأضرار أو حجم الفوائد، فلماذا انضموا إلى الجوقة الموسيقية المهللة للانضمام إلى المنظمة؟ والأهم من ذلك هل أسهمت وتسببت منظمة التجارة العالمية في سقوط النظام المالي العالمي, وأن هذه الأزمة هي بفعل فاعل كما أوضحت بعض التحقيقات؟
إن منظمة التجارة العالمية تبنت نظريات اقتصادية اشترطت على كل الدول الأعضاء الالتزام بتطبيق هذه النظريات كشرط لقبولها في العضوية، وهى نظريات تعطي الشركات متعددة الجنسيات حقوق التدخل في شؤون الحكومات، بل تدفع بالشركات نحو السيطرة على القرارات السياسية للدول الأعضاء، الأكثر من ذلك أن منظمة التجارة العالمية قامت بالتغطية على عمليات النصب والفساد والسرقة التي مارسها رأسماليون في كبريات الشركات والمصارف، وأعطوا أنفسهم حق قبض مكافآت ورشا مريبة، بل قامت هذه الشركات وتلك المصارف بالدخول في مناطق محرمة كالاتجار في المخدرات وغسل الأموال ولوثت مناخ الاقتصاد الدولي حتى اختلط الحابل بالنابل.
لقد نجحت المنظمة في استدراج الدول الأعضاء إلى سن قوانين وأنظمة تصب في خانة إخراج الحكومات من إدارة اقتصادها الوطني وتسليمه للشركات متعددة الجنسيات تحت حماية ومراقبة وإدارة منظمة التجارة العالمية حتى تكون هذه الحكومات رهينة لنظام عام تسيطر عليه منظمة التجارة العالمية، من أجل أن تفقد الحكومات سيادتها الحرة وتضمن المنظمة عدم تدخل الحكومات في اقتصادها المحلي.
وكانت النتيجة أن هذه الشركات سقطت, وأن الأموال سرقت وأن الاقتصاد الحقيقي ضاع بين عمليات قرصنة مشبوهة وأرقام وهمية في الهواء الطلق. إننا نقول باختصار إن الاقتصاد الدولي وقع - طائعاً مختاراً - ضحية عمليات نصب منظمة وسرقة عالمية كبرى، وإن المجتمع الدولي - مع الأسف - يدفع الثمن غالياً من قوت الأجيال المقبلة.وواضح أن كل دول العالم تدفع الآن ثمن فساد عالمي شامل لم يكن لها فيه يد، وإنما كانت اليد الطولى لمنظمة التجارة العالمية التي مررت للشركات متعددة الجنسيات ولأقطابها الفاسدين حرية التجول في سراديب الاقتصاد الدولي، بل إن منظمة التجارة العالمية تبنت مشروع العولمة الاقتصادية والسوق العالمية المفتوحة على قرية كونية واحدة ورفعت شعار “دعه يعمل دعه يمر”، وأمرت الحكومات في الدول الأعضاء بعدم التدخل في النشاط الاقتصادي الوطني بحجة أن نظرية السوق تحمل في طياتها آليات تصحيح أوضاعها دون أي تدخل من الحكومات في الشأن الاقتصادي المحلي.
ولذلك فإن منظمة التجارة العالمية تعتبر أحد المتهمين الرئيسيين الذين أسهموا في انهيار النظام المالي الدولي، وعلى الدول الأعضاء الذين وقعوا ضحية أحلام هذه المنظمة أن يطالبوا بالتعويض والتفكير في الانسحاب من هذه المنظمة المريبة التي أنشأها وأسسها رأسماليون غربيون كان هدفهم الأساسي الإثراء غير المشروع وسرقة النظام المالي الدولي والسيطرة على الاقتصاد الدولي وموارده المختلفة.
إننى أطالب كل الخبراء السعوديين الذين لعبوا - بحسن نية - دوراً ما للوصول إلى عضوية منظمة التجارة العالمية أن يعيدوا النظر في حساباتهم وأن يراجعوا ما كانوا يطرحونه من رؤى بعد ما تكشفت لهم حالات النصب الكبرى التي بدأت تتكشف الواحدة تلو الأخرى، وأتوقع في الأيام المقبلة تكشف أمور خطيرة لم تخطر على بال كثيرين.
والخلاصة نستطيع القول إن مشروع منظمة التجارة العالمية مشروع صهيوني إمبريالي الهدف منه السيطرة على مقدرات الاقتصاد العالمي وتعويق تقدم الدول الناشئة وجعلها تحت أزارير وسيطرة الحكومات الغربية والشركات متعددة الجنسيات، لكن الله - سبحانه وتعالى - بكل شيء عليم وهو القادر على إنزال العقوبة بمن يستحقها، وهكذا هوى النظام الرأسمالي العالمي على أهله وطارت السرقات والثروات المزيفة من حيث أتت.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي