رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


النص الديني والدنيوي غالبا ما يقع ضحية السلطة والمعرفة

تحدثنا كثيرا في هذا العمود عن السلطة وأساليبها في فرض تفسير محدد للنصوص، إن كانت دينية أو دنيوية. وقلنا إن الوعّاظ والمفسرين، شأنهم شأن عامة الناس يخشون السلطة، قد يمقتونها في قلوبهم، إلا أن بطشها لا يعرف الرحمة. ولهذا قلما نشاهد مفسرا أو حتى واعظا يتحدى السلطة التي يعيش في كنفها. التحدي بمعنى أنه يشكل خطرا وجوديا عليها. هذا خط أحمر لا تقبل به حتى الدول التي تدعي أنها ديمقراطية. لا السلطة الدنيوية تقبل بمثل هكذا تحد ولا السلطة الدينية.
وإن تحدى مفسر أو واعظ فإن تحديه يكون لسلطة لا تتفق مع السلطة التي يقع تحت خيمتها. مهما كانت مساوئ السلطة التي يقع المفسر أو الواعظ في قبضتها، فإنه يحاول جهده أن لا يتحداها. التحدي يتم فقط عندما يشعر لا بل يلمس المفسر والواعظ أن حياته وامتيازاته ليست في خطر. هذه ليست قاعدة عامة، بيد أن قليلا من الناس يشذ عنها. وكل من شذ عن هذه القاعدة، يفعل ذلك لاعتقاده أنه صاحب رسالة أو صاحب ضمير حي، أو أن التزامه بالنص مسألة حياة أو موت.
وأصحاب الرسالات من الأنبياء يبدأون وعظهم أو تفسيرهم للحياة بتحدي الوضع القائم. انظر إلى الرسالة التي وصلت إلينا من خلال محمد بن عبد الله. ألم يتحد محمد الدنيا - الدنيا أقصد مشركي وموحدي زمانه من اليهود والنصارى - في سبيل وعظ وتفسير النصوص التي كانت تُقرأ عليه؟ ألم يكن محمد مستعدا دائما للموت من أجل ذلك؟ ألم يقبل النفي (الهجرة) إلى مكان آخر هربا من مضطهديه؟ لم يقنط ولم يتزحزح قيد أنملة ولم يتزعزع إيمانه في أحلك وأخطر الظروف التي مر بها. لم يكترث لكل الامتيازات التي كان سيحصل عليها، إن من المشركين أو الموحدين، لو وعظ أو فسّر خلاف النص الذي لديه. محمد لم يخش السلطة. وعظ وفسّر وكأن السلطة غير موجودة رغم بطشها في مستهل رسالته.
اليوم نحن ونصوصنا المقدسة أصبحنا ليس فقط ضحية أصحاب السلطة، بل ضحية أصحاب المعرفة أيضا. في كل العصور سخّر أغلب أصحاب المعرفة النص لأغراض سلاطينهم وأغراضهم الخاصة. هذا كان أمرا يتقبله الناس، ولو على مضض، لأن المعرفة لم تكن متاحة للجمهور. نصوص كثيرة جرى تطويعها لأغراض غير الغرض الذي كُتبت أو أنزلت من أجله. نصوص مهمة وذات علاقة مباشرة بحياتنا وديننا ووجودنا همّشها الوعاظ والمفسرون. ونصوص هامشية لا علاقة جوهرية لها بديننا وحياتنا والرسالة التي أوصلها نبينا إلينا تم إبرازها على حساب الدين الذي هو رحمة وليس نقمة للعالمين.
هل يجوز اليوم، ونحن نمر بثورة معرفية جماهيرية لم يشهد العالم لها مثيلا، أن نضع التفسير في يد شخص واحد مهما ادعى من المعرفة ونجعله الحكم بين الخير والشر؟! المعرفة لم تعد حكرا على شخص أو مؤسسة. المعرفة الدينية والدنيوية مشاعة وكلنا بإمكانه قراءة النص وبإمكانه معرفة أي نص يسبق نصا آخر في الأهمية والجوهر وقربه أو بعده من النص المنزّل، وهكذا بالنسبة للوعظ والتفسير. إن قبلنا احتكار شخص أو مؤسسة للمعرفة فمعناه أننا وقعنا تحت بطش السلطة المعرفية. أكبر خطر على النص إن كان دينيا أو دنيويا يأتي عندما يحتكر شخص أو مؤسسة التفسير أو التقديم أو التأخير.
ومحتكر المعرفة يريد البروز وإن كان على حساب النص. وهذه آفة إنسانية يعانيها الكثير منا. معرفته لا تُستخدم لإعلاء شأن الدين وأتباعه، بل لإعلاء شأنه الشخصي وتجنب مقارعة السلطة لأنه ما إن وعظ أو فسّر خارج الإطار الذي وضعته له السلطة لوقع في إشكال كبير. ونحن بشر ولسنا أنبياء، نحب أنفسنا ونتجنب مقارعة السلطة. وهذا ينطبق على كل زمان ومكان عدا استثناءات قليلة.
ولهذا ترى أن كثيرا من الوعاظ والمفسرين المسلمين قد ألهوا عن القيم والفضائل العظيمة التي أتى بها الإسلام من مقارعة الظلم والطغيان في أي زمان أو مكان، وإنفاق المال في سبيل الله والعقاب الذي سيلحق الذين لا يفعلون ذلك في الآخرة وعدم نهر المسكين وإيواء اليتيم والإحسان وكل المكرمات التي أتى بها هذا الدين العظيم.
وبدلا من أن نسمع عن هذه المكرمات القرآنية التي في نظري هي أسمى بكثير من أفضل الدساتير في العالم من حيث التوأمة مع الزمان والمكان، يطل علينا محتكرو المعرفة بما لا يمكن أن يستوعبه العقل البشري في هذا العصر. كم يحزنني كمتشبع بالحضارة العربية والإسلامية أن أرى المسلمين في مدّ وجزر حول مسائل عفى عنها الزمان وشرب مثل جواز إرضاع الكبير أم لا، رغم أن القرآن لم يأت على ذكر أمور كهذه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي