هل مجلس الشورى معني بالقضايا المحلية؟
الجواب عن التساؤل بطبيعة الحال: لا! لأن مجلس الشورى مجلس وطني يهتم بالقضايا الوطنية وليس القضايا المحلية، لكن أليست القضايا المحلية, وهي التي تقع داخل منطقة بعينها أو محافظة, هي قضايا وطنية؟ والجواب نعم ولا! أعلم أن هذا أمر محير ويبدو متناقضا ومشوشا كما الوضع الإداري الحكومي! إلا أن شيئا من التفصيل ربما يجلي الصورة ويوضح الفكرة. التمييز بين القضايا الوطنية والمحلية يرتبط بمدى تأثيرها جغرافيا, أي يحدده النطاق المكاني. على سبيل المثال الازدحام المروري ومستوى جودة الطرق وحتى مشكلات السيول داخل المدينة شأن محلي, لأن المتأثرين بها هم سكان تلك المدينة دون غيرهم من سكان المدن الأخرى الذين لديهم مشكلاتهم وقضاياهم الخاصة بهم, وبالتالي لا يصح أن تعد هذه المشكلات وطنية. والآن لنفترض أن هناك مدينتين متجاورتين إحداهما مدينة صناعية تنفث ملوثاتها فتحملها الرياح إلى المدينة المجاورة، فيؤثر سلبا في سكانها، لكن إدارتها (ما تعريف إدارة المدينة السعودية، وهل توجد هناك هيئة محلية مسؤولة عن إدارة الشأن المحلي؟ هذا ما سنأتي لمناقشته بعد قليل), ليس لديها حول ولا قوة, فسلطاتها محدودة بنطاقها الإشرافي المكاني المحدد الذي لا تستطيع تجاوزه، وهنا تصبح القضية إقليمية, أي على مستوى المنطقة لأن مدى تأثيرها يتجاوز حدود المدينتين, وبالتالي يمكن الحد من التلوث والتقليل من آثاره السلبية من خلال سلطة المنطقة التي تسيطر على حيز مكاني يشمل المدينتين وغيرهما، وهذا ينطبق أيضا على الآثار الجانبية الإيجابية عندما يتم العناية بمتنزه إقليمي يستفيد منه سكان جميع مدن المنطقة. وعندما يمتد التأثير ليطول جميع أجزاء الوطن أو معظم الوطن تكون القضية وطنية, وبالتالي تتطلب تدخل السلطات الوطنية, التي من ضمنها مجلس الشورى.
لكن هذا التفسير والوصف للقضايا الوطنية والمحلية لا يكفيان، ذلك أن بعض القضايا المحلية تتعلق بالتشريعات الوطنية وصياغة النظم التي تحدد أدوار وسلطات الهيئات المحلية ودرجة تمكينها من القيام بواجباتها ومسؤولياتها عبر منحها الصلاحيات الإدارية والمالية. على مجلس الشورى كمجلس تشريعي التأكد من عدم وجود قصور في التنظيمات المحلية الإدارية والمالية التي تعوق عملية صنع القرارات المحلية وتعرقل جهود التنمية المحلية وتعجز عن الاستجابة للمستجدات والإعداد للمستقبل. لذا يتضح أن لمجلس الشورى دورا رئيسا في معالجة القضايا المحلية من خلال الإطار الوطني التشريعي، فهذه القضايا لا يمكن معالجتها فقط عبر الإنفاق السخي والتعويضات ورصد الميزانيات الكبيرة, لكن لا بد أن يكون هناك نقاش تنظيمي (تشريعي) لتطوير الإدارة المحلية عبر صياغة نظام يوضح بالتفصيل العلاقة بينها وبين السلطات المركزية, وتولي هيئة محلية إدارة المدينة تكون مسؤولة مسؤولية شاملة عن جميع قطاعات المدينة وترعى مصالح سكان المدينة, وفي الوقت ذاته مساءلة من قبل السلطة المركزية. وعلى أن هناك كثيرا من الأنظمة والكينونات الإدارية المحلية مثل نظام المناطق ونظام المجالس المحلية ونظام المجالس البلدية إلا أنها تفتقر إلى الاستقلال الإداري والمالي وفي الوقت نفسه ليس هناك نظام شامل للإدارة المحلية يجمع بين هذه الأنظمة ويوحد مرجعياتها, وبالتالي تحديد مسؤولياتها وسلطاتها حسب هرمية مكانية بحيث يتمتع كل مستوى بحزمة من الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات الإدارية والمالية داخل حدود مكانية موثقة قانونا. على سبيل المثال من الضروري منح مجلس المنطقة والمجلس المحلي الصلاحيات المطلوبة لإدارة الشأن المحلي لأنه دون صلاحيات وسلطات كافية لا تكون هناك مسؤولية كاملة، وبالتالي لا يمكن محاسبة المسؤولين المحليين، بل المطلوب أكثر من ذلك أن تكون الوحدات المحلية, سواء على مستوى المنطقة أو المحافظة, مهيأة للعب أدوار تخطيطية تنموية وتقديم أفكار وأساليب جديدة إبداعية في تطوير المنطقة أو المدينة وليس كما هو واقع الحال الإغراق بالإجراءات الروتينية واختزال دور القيادات الإدارية المحلية في التوصية والاقتراح والمتابعة, وهي وظائف لا تجعلهم يتحملون المسؤولية ولا يمارسون أدوارهم القيادية, وهذا مرة أخرى يؤكد أهمية منحهم الصلاحيات التي تمكنهم من إحداث التطوير المطلوب. ربما يتفاوت أمراء المناطق والمحافظون على سبيل المثال في الخبرة والتجربة والقدرة القيادية, لكنهم جميعا لديهم الحماس والرغبة الأكيدة في تحقيق الأفضل لمناطقهم, ولا أدل على ذلك من محاولاتهم التطوير والبحث عن موارد جديدة خارج دائرة الصلاحيات الرسمية الضيقة عبر تفعيل النشاط الاجتماعي وتحريك الموارد المحلية وتحفيز السكان على المشاركة في المشاريع التنموية بجهود ذاتية محلية.
النهج الإداري المحلي يتطلب أن يتحول من التركيز على الحفاظ على مستوى الخدمات العامة كما ونوعا والاستمرارية على المألوف, إلى أسلوب جديد في الإدارة المحلية, يعتمد على سرعة الاستجابة للمتغيرات ومواكبة المستجدات لأن وقع التغيرات سريع ويتطلب صناعة قرارات بالمعدل ذاته وبكفاءة وفاعلية وإبداع. لأنه ''إن لم نتقدم نتقادم'', فالثبات على المستوى ذاته يعني التوقف وتراكم المشكلات وتعاظمها لتصبح كالطود العظيم تثقل حركتنا التنموية وتكلفنا كثيرا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. لقد أصبح لزاما مسايرة التطورات التي تحدث من حولنا مثل التقدم التقني وحدة المنافسة الاقتصادية والتغيرات الثقافية والسكانية, كل ذلك يستدعي إعادة تشكيل التنظيم الإداري الحكومي وتحديد تسلسل للسلطات الإدارية وتوزيع الأدوار والمسؤوليات بين المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية. إن هذا من شأنه ليس فقط رفع الكفاءة والفاعلية في تحقيق التنمية المحلية ومعالجة المشكلات البيئية والاجتماعية والاقتصادية مثل البطالة والجريمة والسيول, لكن هي آلية للرقابة والضبط الاجتماعي للسلطة المركزية, فمن خلال هرمية تسلسل السلطة تكون الأدوار والمسؤوليات واضحة, ويكون النظام الإداري أكثر شفافية وانسيابية والجميع تحت المجهر, وفي حال حدوث أخطاء يكون من السهل اكتشافها في وقتها وتحديد أين الخلل ومن المسؤول.
هناك أمثلة ناجحة لتطوير الأنظمة في السعودية, فهذا ليس مطلبا جديدا لا نملك فيه خبرة. وربما يكون النظام العدلي الذي أقر أخيرا وما احتواه من تحديد مستويات المحاكم وتصنيف أنواعها أنموذجا يحتذى به في تطوير النظام الإداري الحكومي. ومن هنا فإنه يقع على عاتق مجلس الشورى المبادرة باقتراح تنظيم للإدارة المحلية بنظرة وطنية شاملة وليس من خلال القطاعات الحكومية المختلفة، بحيث تكون هناك هيئة إدارية محلية واحدة مسؤولة عن إدارة المدينة, أما فيما يتعلق بمجالس المناطق فتمنح ميزانيات مستقلة تحدد من خلالها أولويات الإنفاق والصرف حسب رؤيتها التنموية المحلية. التنظيم المقترح يلزم أن يميز بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لتحقيق الرقابة المجتمعية على أداء الإدارات التنفيذية. هذا من شأنه رفع أداء الوحدات المحلية وقدرتها على تجنب الوقوع في الأزمات, بل زيادة القدرة التنافسية الوطنية، فالتنمية المحلية هي جذور التنمية الوطنية، وهذا يستدعي الموازنة بين المركزية واللامركزية. فهل يتحول عمل مجلس الشورى من ردود أفعال إلى المبادرة في الحيلولة دون وقوع المشكلات, ومن التدخل في الشأن المحلي من منظور محلي إلى منظور وطني؟