رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ما لم يقله راكان وآخرون ..

حين تحلو أحاديث المجلس وتندفق "السواليف" شيقة طريفة يحوم طيف الفارس الشاعر الشعبي الكبير "راكان بن حثلين"، وقد يتنهد أحدهم مرددا قوله:
"يا ما حلا الفنجال مع سيحة البال
في مجلس ما فيه نفس ثقيله
هذا ولد عم.. وهذا ولد خال
أو هذا رفيق ما لقينا بديله"
وقد تخال راكان بسبب قوله الناعم هذا, رجلا غاطسا في النعماء والرخاء محاطا بالجلساء والحكواتية الظرفاء, ابن مدينة وخدين متحضرين في ميعة الترف, إلا أنه لم يكن في الواقع رغم حفاوته بالجلسة ابن "ديوانية"، بل كان شخصا مدمنا على الصحراء ساكنا في الترحال وراء الكلأ وزغاريد الربيع .. وهو القائل في ذات القصيدة السابقة:
"يا زين شدتهم إلى وزع المال
يتلون براق تلالا مخيله"
راكان متسربل بهوس الرحيل, تسكره اللحظات التي يهب فيها القوم يتوازعون المال (أغراضهم بما فيها قطعان الإبل والماعز) ضاربين آباط إبلهم غاذين السير في اتجاه البرق, حيث المطر والربيع.
لم يكن هذا العشق اللاهب الغريب للصحراء وقفا على تجواب راكان في المرابع والمضارب, لكن المدهش أن صحراويته من التجذر بحيث لم يزعزعها بديل آسر. فقد شاءت الأقدار أن يكون هذا الصحراوي في تركيا البلاد الباذخة الخضرة والمياه والزهر والطير, لساحرة بناسها وبديع جمالها ومع ذلك زهد بها ولم تعن له شيئا.
ويروي التاريخ عنه, أن الأتراك قبضوا عليه لتهمة ما, أرسلوه بسببها إلى بلادهم وسُجن في زنزانة تحت حراسة مشددة, في وقت كانت تدور فيه معارك بين الروس والأتراك. وكانت العادة آنذاك أن يتبارز الفرسان, فبرز عبد ضخم عملاق من جانب الروس قضى على كل من تقدم لمبارزته من الأتراك, سمع راكان بالقصة فطلب مبارزته وتم له ذلك وقضى عليه. حاول الأتراك مكافأته وإغراءه بالبقاء لديهم مكرما معززا، إلا أنه اعتذر بشدة وطلب أن تكون مكافأته صحارى الصمان والدهناء.. وفي هذا قال:
"يا حظ من ذعذع على خشمه الهوى
وتنشق من ريح الخزاما فنودها
مقف مع الصمان إلى نشف الثرى
مع الصلب وإلا حادر من نفودها"
هذا الوله العجيب بالصحراء شاركه فيه صحراويون كثيرون انحازوا للرمل وارتموا في هواه، وكانت الصحراء عندهم بمخاطرها وعطشها وجوعها، وشحها وقساوتها تكرع من خفقات القلوب, وتهرول في العروق وتشهق في النبض. فأي حب سحري تودعه الصحراء في أصحابها؟ أي نشوة خرافية لا حدود لمعقوليتها تسيطر على أرواحهم فيعافون من أجلها جنات الأرياف الحالمة وبريق المدن الباهرة؟ أهذا من "الوطنية" في شيء؟ لا أعتقد.. فالوطنية مفردة حديثة عهد في الوجود حتى وإن كانت لها أصداؤها في شعرنا العربي القديم.
الوطنية اليوم هي ابنة النسيج الكلي للصحراء والأرياف والمدن معجونة ببعضها بعضا معبر عنها بالدولة. في حين أن ما كان يشد راكان وأمثاله للصحراء برهبتها وغموضها هو انتشار لها في ذرات الجسد والشعور. وأبدا .. ليست وطنية تلك التي كانت تشد راكان وأمثاله إنما حالة من الهيام والوجد الفريد بطقس مكاني لم تتم دراسته أو بحثه بعد. حالة نرفانا فطرية محلقة, وموسيقى للحرية, لا يمكن حدسها ولا يمكن مقاومتها.
ذلك ما لم يقله راكان بل إن لدينا تراثا صحراويا زاخرا يكاد يتسرب من بين أيدينا، وقد لا يكون بالإمكان تداركه بالبحث والدراسة مستقبلا ما لم يتم ذلك في غضون سنوات قلائل. فانتماء الصحراويين للصحراء نزوة عمرها الأبد, لا تفتر ولا تخف جذوتها تحت أي إغراء آخر. وحري بأحد منا أن يتجاسر على إشعال مشب النار من جديد فثمة جوهرة حكاية كبرى مطمورة في هذا التراث لم تكتشف بعد. فخلف الولع والتعلق بالصحراء يشعشع الحضور الكلي للحرية فيهم, وحلولها المسيطر الحاسم كامتياز طبيعي وكمسؤولية معنوية أبعد من النشأة والتكوين والألفة والاعتياد والمعايشة والذكرى. أما كيف وعلى أية منوال؟ هذا ما لم تمارس فيه العقول المفكرة أي دور بعد. وفي ظني سوف يوفر لنا البحث في هذا الاتجاه نظرية للحرية ليست تلك التي تحدث عنها فلاسفة الإغريق ولا فلاسفة عصر الأنوار ولا اللاحقين وإنما لها طعم ولون ومذاق ورائحة هذا التراب من خط الأفق إلى خط الأفق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي