استراتيجية السعودة .. وروبن هوود ..! (2/2)
تحدثت في الجزء الأول من المقال في الأسبوع الماضي عن أهمية البعد الفلسفي في النظر إلى أزمة البطالة وتوطين الوظائف. من أجل ذلك اخترت عنوان المقال بتلك الصيغة لأبيّن أن حسن النيّات لا يكفي في صنع القرارات وصياغة الاستراتيجيات العامة، وأن معالجة المشكلة لا تكون جزئيا بحيث نركز على جانب ونغفل جوانب أخرى بالأهمية نفسها. بل إن ترابط الأجزاء والمتغيرات والتأثير المتبادل لها يحتم تبني النظرة الشمولية المتوازنة في التعامل معها. فنحن لا نستطيع الحديث عن خفض معدل البطالة دون الأخذ بعين الاعتبار الحالة العامة للاقتصاد ومعدل نموه، وإلا سندخل في دوامة من النقاش البيزنطي في المفاضلة بين أولوية تقليص البطالة من جهة ونمو وإنتاجية الاقتصاد من جهة أخرى، بدلا من النظر إلى الجانبين على أنهما مكملان لبعضهما وليس متضادين! هذا النوع من النقاش التجزئي للمشكلة (إن صح التعبير) سيؤدي إلى تباطؤ وانكماش الاقتصاد وبالتالي سيعمق ويجذر مشكلة البطالة. إنه حقا شيء غريب وتناقض عجيب أن يكون القضاء على البطالة على حساب إنتاجية الاقتصاد بينما كان من المفترض السعي حثيثا إلى تبني استراتيجية تشجع النمو الاقتصادي لاستيعاب الباحثين عن العمل! إن ظاهرة البطالة مستمرة وستبقى ما بقي الاقتصاد بين انتعاش وانكماش. أخشى أن يؤدي تجاهل أولوية الإنتاجية والنمو الاقتصادي إلى أن تطول البطالة رجال الأعمال وتتفشى بينهم بإفلاس بعضهم أو إصابة البعض الآخر بالإحباط والعزوف عن مواصلة الأعمال التجارية والصناعية والدخول في عالم البطالة المقنعة بالاستثمار في سوق الأسهم الذي لا يرتبط بإنتاجية الشركات ولا بأدائها المالي، وبالتالي لا يؤدي إلى تطور الاقتصاد ونموه، حينها تكون البطالة الحقيقية والطامة الكبرى شلل تام للاقتصاد الوطني! المنطق وواقع الحال يقولان لا نستطيع أن نقلل من معدل البطالة إلا إذا أوجدنا وظائف ولا نستطيع إيجاد وظائف إلا باقتصاد قوي ولن يكون هناك اقتصاد قوي إلا برفع معدل الإنتاجية وهذا يتطلب استثمارات جديدة. إذا ببساطة خفض معدل البطالة يعني رفع معدل الاستثمار، وأية محاولة لتجاوز هذا المنطق في مواجهة أزمة البطالة سيكون من قبيل العبث، بل العمل على تقويض الاقتصاد.
إن مشروع استراتيجية التوظيف، التي حضرت مناقشاتها، مبنية على الرغبة في القضاء على البطالة في المدى القصير دون أخذ الإنتاجية وتطبيقها بعين الاعتبار. لذا ظننت أن من أولويات الاستراتيجية تهيئة بيئة وثقافة عمل منتجة تدفع الجميع نحو تحقيق المزيد من النمو الاقتصادي والبذل والعطاء، لا بيئة يسودها التراخي والتقاعس بالتركيز على الأمن الوظيفي وعمل الحد الأدنى أو أقل. أعتقد أن التركيز على توظيف المواطن دون اعتبار لإنتاجيته هو إجحاف كبير بحق العامل السعودي وسمعته التي يجب أن نعمل جاهدين لتحسينها فعليا. وإلا اختصرت السعودة إلى أسماء سعودية في كشوف الشركات ونكون قد أرسلنا الرسالة الخطأ للشاب السعودي في أنه يكفي فقط أن تكون مواطنا لتوظف! بينما يجب أن نقول لأنك مواطن فأنت أكثر إخلاصا وأعلى إنتاجية ونرغب في توظيفك وإذا لم تكن كذلك فأنت لا تستحق الوظيفة. هكذا تكون التوقعات واضحة عبر نظام للعمل يكافئ المجد ويعاقب المتكاسل. ما يجب أن نعيه أن العمل ثقافة، ونظام العمل جزء من بناء هذه الثقافة أو إعادة التثقيف بالعمل! فإذا كان نظام العمل يركز على الأمن الوظيفي على حساب الإنتاجية والالتزام بمعايير العمل والأخلاق المهنية فلن يكون مستغربا أن تسود ثقافة الاتكالية والتقاعس وعمل القليل لكسب الكثير! في المجتمعات المتقدمة يحب الناس العمل ويسعون إليه جاهدين لأن العمل جزء من المنظومة القيمية في المجتمع. طلاب المدارس في تلك المجتمعات لا ينتظرون وزارة العمل لتهيئ لهم وظيفة، بل يبادرون بالبحث عنها فلا يستنكفون من أداء أي عمل كتنظيف السيارات، توزيع الصحف، تزيين الحدائق، والعمل في المطاعم. إنه حب العمل والدافعية نحو الإنجاز وتحقيق الأفضل. هذا ما نفتقده وبالتالي كان على الاستراتيجية التركيز عليه والسعي لتحقيقه.
الاعتقاد السائد أن التدريب ورفع المستوى الفني للعامل فقط سيؤديان إلى زيادة إنتاجيته، هذا نصف الحقيقة، النصف الآخر هو الدافعية نحو العمل. إن مستوى النضج لدى العامل يتحقق بشيئين رئيسيين: الأول القدرة على العمل، والآخر الرغبة في العمل. وطالما أننا نركز على جانب القدرة ونهمل الجانب الأهم في المعادلة وهو الرغبة والدافعية للعمل، لن نفلح في حل قضية توطين الوظائف.
أمر آخر تم إغفاله في الاستراتيجية وهو أن الناس اعتادوا وعلى مدى ثلاثة عقود على تكاليف معيشية منخفضة بفضل العمالة الوافدة الرخيصة، وإذا ما تم الاستغناء عنها فإنه سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بسبب ارتفاع تكاليف العمالة الوطنية، إذ إنهم سيطالبون بأجور مرتفعة لمواجهة مشكلة ارتفاع تكاليف المعيشة، ما سيؤدي إلى تقليل الطلب عليهم لارتفاع أجورهم، وبالتالي إبطاء لعملية إحلال العمالة الوطنية وهكذا تتحول البطالة من مشكلة إلى أزمة سيكون من الصعب معالجتها. كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة قضية عامة لها تبعات كبيرة على عموم الناس، خاصة الأقل حظا في المجتمع، فهل سيُحمّل هؤلاء عبء التكاليف وهم يشكون من قلة الدخل؟! ما يفترض أن يكون هو جعل العامل السعودي أكثر جاذبية لأصحاب العمل، وأن تتاح الفرصة لقوى السوق أن تقرر بدلا من أن يفرض العامل بقوة القانون والنظام الصارم. من جهة أخرى فان تراخيص جلب العمالة الأجنبية عادة ما تكون مثل بيت العنكبوت يصطاد الحشرات الصغيرة حتى إذا ما أتته ريح صرصر عاتية اقتلعته بأكمله! ما يؤدي إلى عشوائية جلبهم، فعمالة سائبه تملأ شوارع المدن! في مقابل نقص حاد في عمالة الشركات والمصانع!
الاستراتيجية لم تفرق بين الأهداف السياسية الاجتماعية للبطالة وتلك المتعلقة بالأهداف الاقتصادية، فالبطالة لها جانب اجتماعي وتداعيات سلبية على المجتمع يستوجب معالجته من قبل الحكومة، وآخر اقتصادي يسهم فيه القطاع الخاص. هذه الأدوار لم توضح في الاستراتيجية، وبدا أن معالجة مشكلة البطالة يقع على عاتق القطاع الخاص وحده دون غيره. لم تتطرق الاستراتيجية لدور القطاع العام في خفض معدل البطالة. على سبيل المثال، إحدى الوسائل التي تتبع في كثير من الدول هي توظيف أعداد كبيرة من الشباب في القطاعات العسكرية بتخصصات مختلفة. وفي الوقت ذاته تقوم الوحدات العسكرية المشاركة بإنشاء وتنفيذ بعض المشاريع العامة. كما أن إقامة المشاريع الحكومية التنموية التي تتطلب كثافة عمالية مثل مشروع للسكة الحديدية (الدمام - جدة) سيوفر وظائف للكثيرين وفي الوقت ذاته يسهم في تسهيل انتقال العاملين ونقل الموارد من منطقة إلى أخرى. كذلك التجنيد الإجباري للشباب وما يهدف إلى تعويدهم على التحمل والصبر والانضباطية وتنفيذ الأوامر يسهم في تحقيق التثقيف بالعمل وتعديل سلوكياتهم.
استراتيجية التوظيف لم تُربط بالخطط التنموية والتوجهات الاقتصادية للدولة، وأخشى أن عدم صياغتها ضمن الإطار العام للتنمية الاقتصادية يؤدي إلى تضارب في التوجهات قد يصل حد العمل بالاتجاه المعاكس. إن عدم ارتكاز استراتيجية التوظيف في منطلقاتها على الاستراتيجية العامة للدولة يشكل عيبا كبيرا فيها، ذلك أن جميع القطاعات معنية بمشكلة البطالة، وبالتالي كان من المفترض أن تحدد الاستراتيجية الأدوار المنوطة بكل قطاع والتنسيق فيما بينها لتحقيق الهدف المرجو. كما أنه من المهم تحديد القطاعات النامية ودعمها وتشجيعها، وفي الوقت ذاته توجيه وإنشاء برامج تعليمية وتدريبية متخصصة في مجالاتها.
الاستراتيجية لم تشمل جميع المستويات المهنية والإدارية واقتصرت على الوظائف التشغيلية. بينما تمثل القيادات الإدارية الوطنية عنصرا إيجابيا وداعما نحو توطين الوظائف وبالتالي يجب تشجيع زيادة نسبة المواطنين في تلك المناصب.
نظام الخدمة المدنية قد يكون أحد العوامل المثبطة للباحثين عن العمل في القطاع الخاص، إذ أن تدني الإنتاجية في القطاع العام مع ثبات الأجر، يولد إحساسا لدى العاملين في القطاع الخاص بعدم المساواة مع زملائهم في القطاع الحكومي ما يؤثر في إنتاجيتهم. كما أن النظام يحظر على المهنيين المواطنين في الجامعات من مزاولة المهنة ما يستدعي جلب مهنيين من الخارج لسد العجز. جميع هذه الموضوعات المهمة والمؤثرة في توطين الوظائف لم تتطرق لها الاستراتيجية.
الاستراتيجية في وضعها الحالي مجموعة آراء وتطلعات لا تمت للحاضر ولا للمستقبل بصلة بدليل ليس هناك فرضيات ومتغيرات ومبررات وضّحت للمشاركين في ورشة العمل! ففي مثل هذه الاستراتيجيات يعتمد على دراسة الوضع الراهن وتحديد حجم المشكلة وطبيعتها ومن ثم التنبؤ بالمتغيرات الأساسية مثل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية في المستقبل ثم توضع الرؤى والأهداف. ما يستغرب له أنها جاءت خالية من مؤشرات كمية إحصائية تبرر أهدافها وخططها وسياساتها. دون الإحصاءات وطرق التنبؤ تتحول من استراتيجية إلى كلام إنشائي وقائمة بالأمنيات الشخصية من السهل أن يقوله أي شخص أو أن يستنسخه من موقع إلكتروني دون عناء إذا لم يطالب بتبريره تبريرا علميا منطقيا إحصائيا واقعيا. حتى سنة الهدف (2030م) لم تذكر لا في العنوان ولا في المتن!
الاستراتيجية التي تمتد لمدة خمسة وعشرين عاما ركزت على ثلاثة أهداف رئيسة هي التوظيف الكامل لقوة العمل، وزيادة مستديمة في مساهمة الموارد البشرية المواطنة، والارتقاء بإنتاجية العامل المحلي لتضاهي نظيره في الاقتصاديات المتقدمة. وهي بلا شك أهداف مرغوبة لكن كما يقولون "الشيطان في التفاصيل". السياسات التفصيلية وآليات التنفيذ اعتمدت على التغيير الكمي وليس النوعي. على سبيل المثال السياسات في المدى القصير اقتصرت على جمع المعلومات وتصنيفها وإنشاء وحدات إدارية جديدة أو تغيير مسماها، كل ذلك يندرج تحت التطوير الإداري للوزارة وليس آلية لمواجهة البطالة! أو تلك السياسات في المدى المتوسط التي ركزت على تفعيل الأنظمة! مثل تطبيق المادة 45 من نظام العمل (75% للسعوديين!) والمادة 50 المتعلقة بالتدريب. هل يعقل أن يكون ذلك جزءا من الاستراتيجية؟! أو تلك الآليات التي يفترض أن تنفذ الآن وليس متأخرا مثل التوسع في الترخيص للجمعيات المهنية أو إطلاق برنامج لتحسين الإنتاجية!
آمل من الوزارة توزيع الاستراتيجية كاملة حتى يتمكن الجميع من مراجعتها وتقديم المقترحات للوصول بها إلى المستوى المطلوب لتكون انعكاسا حقيقيا لتطلعات جميع المتأثرين والمؤثرين فيها. وهذا في ظني ما تسعى إليه الوزارة أو هكذا يُفترض.