كم هللة توفرها مكافأة طلاب الامتياز لخزانة الدولة؟!
رغم أن موضوع خفض مكافأة الامتياز لخريجي كليات الطب اعتبارا من العام الدراسي 1426هـ/1427هـ يدعو إلى الانفعال.. إلا أننا نلتزم الهدوء التام ونحن نناقش هذا الموضوع. ولعلنا قبل البدء في مناقشة الموضوع نطرح سؤالا محوريا وتكون الإجابة عنه هي الفكرة التي تدور حولها القضية.
والسؤال هو: لماذا سعت وزارة التعليم العالي إلى استصدار قرار من مجلس التعليم العالي بخفض مكافأة الامتياز لخريجي وخريجات كليات الطب من 10700 ريالا إلى 6000 ريال؟ ثم لماذا لم تسع وزارة التعليم العالي إلى تعديل القرار بحيث يزيل تعديله ظلماً واضحاً لفئة من أبنائنا وبناتنا؟!
لقد بحثت في كل أجندات التفكير الشفاف والموضوعي فلم أجد مبررا واحدا يقول إن هؤلاء الطلاب لا يستحقون المكافأة، ولا يوجد مبرر واحد يقول إن خفض مكافأة نحو ألف طالب وطالبة سوف تعمر خزانة الدولة وتسدد دينها العام؟!
إذن لا يوجد مبرر موضوعي يدعو إلى التفكير في خفض مكافأة مستحقة على طلاب اختاروا تخصصاً تعاني المملكة من عجز كبير فيه وتتطلع إلى زيادة الخريجين من السعوديين النابغين كي تملأ بهم آلاف الوظائف الشاغرة في كثير من مدن وقرى وهجر المملكة.
وإذا نظرنا إلى السياسة العامة للحكومة الرشيدة .. نجد أنها تتجه منذ العام الماضي إلى زيادة النفقات على البرامج والمشاريع التنموية، بل إن الحكومة اعتمدت مليارات الريالات لمشاريع عتيدة خارج الميزانية بهدف تسريع معدلات التنمية المستدامة والتخفيف على المواطنين من أعباء الحياة، أكثر من هذا أن حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز اتخذت قرارا بزيادة الرواتب لا خفض الرواتب وزيادة الضمان الاجتماعي ورفع كفاءة صناديق التنمية ولم تتجه إطلاقا إلى تكميشها وحجزها.
ولا شك أن هذا يوضح خطأ الاتجاه نحو خفض مكافأة طلاب الامتياز، وأن الاتجاه نحو خفض هذه المكافأة يأتي عكس الاتجاه العام للسياسة العامة للدولة، ويشكل اختلافاً واضحا لبنود الميزانية التي شهدت زيادات ملحوظة.
وهنا يشدنا الاستغراب لماذا تتجه وزارة التعليم العالي نحو تطبيق سياسة شد الأحزمة على أبنائنا وبناتنا الطلاب، بينما الدولة تتجه نحو حلحلتها والتيسير على المواطن والمواطنة لتحقيق مزيد من الرفاهية والرخاء!!.
إن الإيرادات المتوقعة لميزانية الدول للعام المالي 1426هـ/1427هـ تقدر بـ 390 ألف مليون ريال وأن النفقات تبلغ 335 ألف مليون ريال، أي أنه يتوافر في ميزانية الدولة فائض كبير يربو على 214 ألف مليون ريال، فكيف نفكر في توفير بضع هللات.
إن حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لم تبخل على المواطن في ميزانية الخير وخصت التعليم بالذات بمبلغ بلغ 87.300.000.000 ريال سبعة وثمانين ألف وثلاثمائة مليون ريال وهذا المبلغ يقترب من ضعف ميزانية العام الماضي.
يقول تقرير وزارة المالية بالنسبة للتعليم والتعليم العالي: ومن منطلق ما توليه حكومة خادم الحرمين الشريفين من أهمية للتعليم وتوفير البيئة المناسبة له وزيادة الطاقة الاستيعابية للمدارس والجامعات والكليات المتخصصة تم في الميزانية الجديدة اعتماد مشاريع جديدة وإضافات للمشاريع المعتمدة سابقا تبلغ التكاليف التقديرية لتنفيذها نحو 24.850.000.000 ريال أربعة وعشرين ألفا وثمان مائة وخمسين مليون ريال.
ففي مجال التعليم العام تضمنت الميزانية اعتماد إنشاء 2673 مدرسة جديدة للبنين والبنات في جميع المناطق إضافة إلى المدارس الجاري تنفيذها حاليا البالغ عددها 3300 مدرسة. وتأهيل وتوفير وسائل السلامة لـ 2000 مبنى مدرسي للبنين والبنات، وإضافة فصول دراسية للمدارس وتجهيزها بالوسائل التعليمية ومعامل وأجهزة الحاسب الآلي. وكذلك إنشاء مبان إدارية لقطاع التعليم العام.
وفي مجال التعليم العالي تضمنت الميزانية افتتاح ثلاث جامعات جديدة في كل من (حائل والجوف وجازان) وإنشاء المدن الجامعية اللازمة لها تشمل البنية التحتية و12 كلية، وكذلك مشاريع لإنشاء وتجهيز 85 كلية في الجامعات القائمة. وإنشاء وتجهيز ثلاثة مستشفيات جامعية جديدة، مع إضافات وتحسينات لمستشفيات الجامعة القائمة، إضافة إلى تجهيز المعامل والمختبرات في عدد من الجامعات.
ووفقا للتوجيهات السامية تضمنت الميزانية برنامجا إضافيا للابتعاث الخارجي في تخصصات الطب والهندسة والحاسب الآلي والمحاسبة والقانون.
وهكذا فإننا نقرأ في هذه الأرقام أن كل بنود ميزانية وزارة التعليم العالي بالزائد .. إلا بند مكافآت طلاب وطالبات امتياز الطب؟!
وإذا كان التفكير في اتخاذ مثل هذا القرار جاء في مناخ لا يناسبه، فإنه من الطبيعي أن يتعرض تنفيذ القرار إلى ما يشبه البلبلة بين الجامعات، فبينما تلتزم جامعة واحدة هي جامعة الملك عبد العزيز في جدة بتنفيذ القرار، فإن بقية الجامعات وضعت القرار قيد المراجعة لأن القرار لم يكن طبيعيا، ولم يصدر في ظروف تتناسب مع مضمونه، ولذلك توقفت الجامعات عن تنفيذه ما عدا جامعة الملك عبد العزيز التي نأمل أن يكون لديها بعد نظر قبل تنفيذ قرار لا يتناسب مع ظروف الانتعاش الاقتصادي والمالي الذي تعيشه المملكة.
في سنوات الشدة وطوال ما يقرب من العشرين عاما .. دفع طلاب التعليم العالي ثمن الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تمر بها المملكة، فقبلوا حرمانهم من البعثات، وحرمانهم من مواصلة الدراسات العليا في الخارج، وضاعت عليهم الكثير من الفرص .. نعم في تلك الظروف تأقلم الطلاب والطالبات مع ما كانت تقدمه لهم وزارتهم الجليلة من ضنك وتقتير لأن الظروف التي كان يمر بها الاقتصاد السعودي تدعو إلى التعاون وتقبل الوضع القائم. أما الآن وبعد أن أنعم الله سبحانه وتعالى من فيض خيراته على هذه البلاد المقدسة وزادت أسعار النفط وتدفقت إيرادات النفط أضعاف مضاعفة على خزانة الدولة، فلم يعد مقبولا الكلام عن خفض النفقات الأساسية، ولا يجب أن يدفع مجموعة بريئة من الطلاب ثمن تقدير خاطئ بخفض مكافأة هم أحوج ما يكونون لها لاسيما وأنهم يقبلون على حياة جديدة بتكاليف جديدة بعد كفاح ونضال دام ست سنوات مليئة بالسهر والضجر والتعب والكد.
وحتى لا يكون معالي الدكتور خالد العنقري وزير التعليم العالي في دائرة المؤاخذة، فإنني أرجو من معاليه أن يسعى حثيثا إلى تعديل القرار ورد الاعتبار والحقوق لطلاب وطالبات الامتياز في كليات الطب، وأحسب أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بمواقفه المعروفة والمعهودة حريص على راحة وكرامة أبنائه وبناته الطلاب والطالبات، وأنه لن يقبل، كما عود الجميع، الضيم عليهم وأتصور أن العودة إلى المكافأة الأساسية.. مسؤولية وزير التعليم العالي وأن طلاب التعليم جميعا أمانة في عنقه.
حقيقة إن رد المكافأة كاملة إلى طلاب امتياز الطب مسؤولية وزارتهم وزارة التعليم العالي بل مسؤولية معالي الوزير طيب القلب.