رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«العقارية» أم العقار .. أين الأزمة؟

أعلنت الشركة العقارية قوائمها المالية المدققة عن عام 2009. وقبل خوض غمار هذا المقال من المهم التأكيد على أن القوائم المالية هي قوائم تاريخية في المقام الأول, ولعلها مشكلة المحاسبة الأصيلة. بمعنى أن ما أعلنته الشركة العقارية يمثل أمورا حدثت وانتهت خلال عام 2009. المحاسبة لا تخبرنا عن العام المقبل علينا أن نقرأ القوائم المالية لنبحر في عقول منتجيها ولنعرف ونتنبأ بالمستقبل من خلال قراراتهم - منها حجم المخصصات والتوزيعات والنقدية المتاحة وحجم ونوع الاستثمارات وغيرها كثير. ورغم هذا التحفظ فإن مجموع النتائج المالية لقطاع معين ربما يخبرنا عما هو أكثر، يخبرنا عن حالة الاقتصاد والتوجهات العامة وقرارات المستثمرين والعرض والطلب في صناعة معينة, لذلك فإن المحاسبة ونتائجها - القوائم المالية - تظل من أفضل المتاح للتنبؤ بمستقبل أي صناعة.
من خلال هذا التصور أسرد بعض النتائج المالية للشركة العقارية التي حققت أرباحا صافية بـ 92 مليون ريال عن عام 2009 مقابل 117 مليون ريال عن عام 2008، أي بانخفاض مقداره 21 في المائة تقريبا. وهذا يعود إلى انخفاض في إيرادات النشاط بنسبة 24 في المائة, حيث بلغت 171 مليونا عام 2009 مقابل 225 مليون ريال عام 2008. المشكلة في هذا الأمر ليست الانخفاضات فحسب, بل تعليل مجلس الإدارة أسبابها. حيث أشار إلى أن ذلك يعود إلى ''عدم'' وجود مبيعات من الأراضي المطورة والمتاحة للبيع عام 2009, ففي عام 2008 حققت الشركة إيرادات من مبيعات الأراضي المطورة والمتاحة للبيع بمبلغ 65 مليون ريال ثم لم تفلح في بيع أي أرض خلال عام 2009. الشركة تقول ''بعدم'' البيع وليس انخفاض البيع, وهذه شركة عقارية ذات باع طويل وعمر مديد في سوق العقار في المملكة تأسست عام 1976 فلها بذلك خبرة وسمعة كبيرتان. السؤال الآن هل هذه مشكلة في سوق العقار أم في الشركة العقارية نفسها؟ فعبارة ''عدم البيع'' ولمدة عام كامل عبارة خطيرة لأن على الشركة أن تتخذ قرارات مهمة بهذا الشأن ربما تصل إلى إيقاف هذا النشاط المتعلق بتطوير الأراضي أو تعليقه فترة, وهو أمر خطير على سوق العقار في المملكة بشكل عام ويأتي في غير وقته. الحقيقة أنني بحثت في كل التقرير عن أي تعليق لإدارة الشركة عن حالة سوق العقار وتقيمها الوضع ولم أجد ما يروي عطشي سوى كلام عائم حول مخاطر الاستثمارات في سوق العقار, حيث تؤكد إدارة الشركة أنه لا توجد مخاطر جوهرية على استمرار الشركة رغم زيادة المنافسة وندرة وغلاء المواقع الصالحة للاستثمار، إضافة إلى ارتفاع نسب التضخم وتكلفة الإنشاء وغيرها.
من الواضح أن هناك مشكلة في مكان ما وقد قدرتها في السوق العقارية نفسها لذلك بحثت عن شركة منافسة تعلن قوائمها المالية ووجدتها في شركة دار الأركان فهي تعمل في السوق نفسها التي تعمل فيها الشركة العقارية ـ مدينة الرياض. لكن المفاجأة جاءت مختلفة, فإذا كانت النتائج لشركة دار الأركان ليست بأحسن حالا من نتائج العقارية إلا أن السبب مختلف تماما هذه المرة, فالشركة لم تستطع أن تحقق نموا بل انخفضت الإيرادات بشكل طفيف بنسبة 3 في المائة تقريبا، لكن عند تحليل الأمر نجد أن مبيعات الشركة من الوحدات السكنية انخفضت بنسبة تقترب من 50 في المائة, وهو انخفاض كبير ولا شك. في المقابل ارتفعت مبيعاتها من الأراضي المطورة بنسبة 7 في المائة. بالبحث عن تقييم شركة دار الأركان السوق نجد تعميمات مثل التي أوردتها الشركة العقارية, لكن هناك نبرة تخوف من حالة السوق عام 2010.
ومع ذلك ذهبت في استقصائي لإعداد هذا المقال إلى أبعد من ذلك, حيث سألت أحد المختصين في الشأن العقاري وله باع طويل في عمليات التثمين والتقييم ليؤكد أن حالة السوق جيدة بشكل عام وهناك دخول مجزية عن الإيجارات. هذه المعلومة قادتني إلى البحث عن شركة تهتم بنشاط التأجير, وهي شركة الرياض للتعمير, فقد حققت الشركة نتائج جيدة ونمت الأرباح 18 في المائة، كما بغت إيرادات التشغيل والتأجير 154 مليون ريال مقابل 140 مليون ريال, أي زيادة بنسبة 10 في المائة تقريبا, وهو نمو مرض إلى حد بعيد. المفاجأة أن الشركة لم تحقق إيرادات من بيع الأراضي خلال عام 2008 بينما حققت مبيعات ضعيفة عام 2009 (700 ألف ريال فقط).
هذه المعلومات - ولعلها غير كافية لفهم توجه السوق العقارية – قد تساعد بشكل مجمل في القول إن هناك مشكلة في قدرة السوق العقارية على خلق وحدات جديدة ما خلق مشكلة في عملية البيع والتطوير. هذا الأمر عزز أسعار الوحدات القائمة فعلا ورفع الأسعار بشكل تضخمي حاد ورفع معها أسعار الإيجارات. لكن من الصعب معرفة السبب وهل يعود إلى مشكلة في العرض أم الطلب (أشارت العقارية إلى ندرة المواقع الصالحة لكن من الصعب الإقرار بهذه الندرة في مدينة بمساحة الرياض). أتذكر في هذا السياق أن مسوقا لأحد البنوك أشار إلى عزوف الناس عن القروض العقارية بشكل لافت وأنه يواجه صعوبة في إقناع الناس بها. وفي رأيه أن المشكلة تعود إلى تورط الناس في قروض كثيرة ومتعددة. في ظل هذه الأوضاع – إن صح التحليل – فإن الحل لمشكلة ارتفاع أسعار العقار لن يكون قريبا, ولن يكون الرهن العقاري ذلك المنتظر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي