تطلعات المصرفية الإسلامية.. والمجلس النقدي الخليجي
محمد الجاسر محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي، الشخصية المتميزة والمؤثرة في اقتصاد المنطقة هو أول رئيس مجلس إدارة المجلس النقدي الخليجي. وهذا التجمع المالي لدول الخليج الأربع، ناتج عن نجاحات تحققت من مجلس التعاون الخليجي، وهذا المجلس النقدي هو مرحلة التأسيس لوحدة نقدية، والحقيقة أنها فرصة نبارك فيها للوطن ولمعالي الدكتور محمد الجاسر على هذا الإنجاز الذي هو نتاج عمل دؤوب من الدول الأعضاء.
الحقيقة أنه من المبكر الحديث عن برامج هذا المجلس في مرحلة الإنشاء، الذي سيكون من أولوياته العمل على طرح الوحدة النقدية الموحدة بين هذه الدول الأربع، الذي يعتقد أن هذه العملة سيكون لها تاثير على مستوى المنطقة نتيجة لأن دولا مثل المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر، هي عبارة عن اقتصادات كبيرة ومؤثرة في المنطقة.
ولعله من المبكر أيضا الحديث عن دور فاعل للمجلس في مجال المصرفية الإسلامية، خصوصا أن هناك أجندة ومتطلبات للمجلس النقدي الخليجي تتطلب كثيرا من الوقت والجهد والكفاءات قبل الدخول في مشاريع أخرى.
لكن ما حفز على كتابة هذا المقال هو ذلك التسارع العالمي تجاه المصرفية والمالية الإسلامية التي حققت قفزات في نموها خلال الفترة الماضية مع وجود أزمة عالمية، ويتطلع العالم إلى هذا القطاع ليعوض جانب الانكماش في الاقتصاد العالمي، والضعف في السيولة وفرص الاستثمار بسبب الأزمة المالية العالمية، وضعف الثقة بكثير من منتجات المالية التقليدية.
كما أن الدكتور محمد الجاسر من خلال كلمته التي ألقاها في المؤتمر الخامس للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية الذي عقد خلال الفترة الماضية في دمشق، تناول حجم النمو الذي حققته المؤسسات المالية الإسلامية، وحجم أصول الصناديق الاستثمارية الإسلامية.
وبين أن منجزات صناعة الصيرفة الإسلامية في الفترة القصيرة الماضية التي لا تتجاوز العقود الثلاثة أسهمت في إنشاء مؤسسات داعمة لها، مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومجلس الخدمات المالية الإسلامية، بهدف توفير البيئة المناسبة للتعاون بين المصارف والمؤسسات الإسلامية، وإصدار المعايير المناسبة لتطوير العمل المصرفي، وضمان سلامته.
كما أشار إلى أن الصيرفة الإسلامية تسهم في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية من خلال استثمارها المباشر في المجالات ذات العلاقة بالاقتصاد الحقيقي، وأثبتت نجاحها في جذب المدخرات وتلبية احتياجات المتعاملين وتحقيق مصالحهم، كما أنها نجحت في تطوير العمل المصرفي من خلال تطوير أدوات ومنتجات مبتكرة وتبني صيغ تمويلية مناسبة، إضافة إلى عقود المضاربة والمشاركة والمرابحة.
كما أنه ذكر أن هناك تحديات عدة تواجه الصيرفة الإسلامية، منها إيجاد فرص جديدة ومتنوعة للنمو وتعزيز المهارات والخبرات في فهم أحكام الشريعة وتطبيقها في مجالات مصرفية وتمويلية جديدة، إضافة إلى استخدام معايير محاسبة ومراجعة موحدة لضمان استقرار النظام المصرفي الإسلامي، وتشجيع الاندماج بين الهيئات العاملة في مجال الصناعة المصرفية الإسلامية. (انظر صحيفة ''الشرق الأوسط'' العدد11431).
هذا الحديث الصريح من محافظ مؤسسة النقد يؤكد قضية مهمة وهي قناعة على مستوى السلطات العليا في المنطقة بأن هناك منجزات لهذا القطاع. ومن خلال استقرائنا حجم النمو له في المنطقة نجد أنه حقق قفزات كبيرة, إضافة إلى أنه مطلب لكثير من المواطنين لتلبية حاجتهم التمويلية وتوفير فرص الاستثمار المتوافق مع الشريعة، ويؤكد هذا المعنى خطوات عملية في هذا الاتجاه من إنشاء بنوك إسلامية في المنطقة وتحول عدد من البنوك بشكل كلي أو جزئي إلى بنوك إسلامية تقدم معاملات متوافقة مع الشريعة.
ويبقى لنا أن ننظر مستقبلا إلى المجلس النقدي الخليجي الذي يمثل في هذه المرحلة نواة للبنك المركزي الخليجي، في أنه سيكون له دور في المساهمة في استمرار نجاح المصرفية الإسلامية، حيث إن المالية الإسلامية تفتقر في هذه المرحلة على مستوى المنطقة إلى أن يكون لها تنظيم وتشريعات وضبط ودعم على مستوى البنوك المركزية. إذ إن التطبيقات الحالية لها تعتمد في غالبها ـ فيما يتعلق بمطابقتها الشريعة - على اجتهادات ورؤى أقرب إلى العمل الفردي منه إلى العمل المؤسسي، وحتى مع وجود مؤسسة مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية التي تعمل على وضع معايير للعمل المصرفي الإسلامي، إلا أن معاييرها غير ملزمة للمؤسسات القائمة. وعدم الالتزام بمعاييرها لا يغير كثيرا في الصورة العامة التي وضعتها المؤسسة لنفسها باعتبارها بنكا إسلاميا أو تتوافق أعماله مع الشريعة.
ولذك يحتاج هذا القطاع إلى مزيد من الضبط والرقابة على أعماله ليحقق نجاحا فعليا، ويقدم نموذجا متكاملا لمفهوم المالية أو المصرفية الإسلامية. حيث إنه ومن دون ضبط عمل المؤسسات المالية الإسلامية، ربما يؤدي إلى إخفاقها مستقبلا مع عدم تقبل الأنظمة العالمية عمل مؤسسات مالية دون ضبط أو التزام في أعمالها بنظام وتشريع واضح يضبط العمل ويسهل عملية الرقابة والمحاسبة.
فبلا شك أن أعباء هذا المجلس كبيرة - أعانهم الله على هذه المسؤولية - لكن في الوقت نفسه فإن هذا المجلس إذا ما أخذ زمام المبادرة في مجال ضبط عمل وتشريعات المصرفية الإسلامية فإن ذلك سيؤدي إلى التأثير عالميا في هذا القطاع، وتحقيق رغبة المجتمع الخليجي.