رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الفتوى والإعلام والإسلام (5)

كان للعرب في الجزيرة قبل مقدم الإسلام أشياء حسنة وأشياء غير حسنة. وكانوا أناسا يتفاخرون بما لديهم. وامتازوا بالفطنة والذكاء والإباء والعزة لاسيما فتيان قريش وفتياتهم. وكانت قريش، صاحبة مكة وكعبتها المقدسة، مكة العرب بالمفهوم المكاني والمجازي.
وكانت التجارة مهنة قريش وأبنائها الرائجة. والتاجر بحكم عمله ورحلاته وأسفاره تتراكم لديه الخبرات والتجارب عن المناطق والشعوب التي يمر بها في ترحاله أو التي يحط فيها لمبادلة أو بيع بضاعته. وعليه سنكون مخطئين لو تصورنا أن العرب قبل الإسلام رغم عصبيتهم وجاهليتهم لم يكونوا في دراية بما كان يدور في الحواضر والممالك والإمبراطوريات، في الشام أو العراق أو اليمن.
وبطول تدبيرها وفطنتها وتفكيرها ورويتها وليس سيفها أو سطوتها استطاعت قريش السيطرة على قلوب وعقول القبائل في الجزيرة. وكان على هذه القبائل أن تشارك قريشا مهرجاناتها الشعرية، وأن تأخذ في الاعتبار أصنامها وسحر وسجع كهانها. وهذا السجع كان بمنزلة كتابهم المقدس فضلوه على الكتب المقدسة الأخرى التي كانوا يستمعون إلى ترتيلها إن كان من قبل اليهود في يثرب أو المسيحيين في الشام أو العراق أو اليمن. ورأت قريش أن سجع كهانها المرتبط ارتباطا وثيقا بوثنيتها لأفضل وأكثر وقعا في النفس والجسد مما كان شائعا عندئذ من أفكار وأديان حتى السماوية منها. وهذا ما يفسر، في رأيي المتواضع، انحسار انتشار المسيحية أو اليهودية في الجزيرة.
حسنا فعل مدونو السيرة من القدامى إن كان في طبقات ابن سعد أو ابن هشام أو تاريخ الطبري بتركيزهم على الفترة التي سبقت الوحي. وكأن لله في ذلك يدا. لا بد أن الله - سبحانه وتعالى - كان قد أعدّ الأرضية الخصبة للدين الجديد. وأنا أقرأ السيرة تشدني الأحاديث والقصص التي يسردها رواتها قبل مقدم الوحي. ولا أخفي قرائي سرا أنني لم أكن أستوعب الإسلام فكرا ومنهجا للحياة لو لم أكن أتمعن كثيرا في هذه الفترة وأدرس خطابها وبيئتها ومحيطها.
ويحزنني أن أرى العرب قد نسوا أو تناسوا تدريس أو دراسة الفترة التي سبقت الوحي. هنا لا أدعو إلى العودة إلى كتب التراث كما هي. هذه صارت جزءا من الأدب القديم. قراءتها صعبة وشاقة وفهمها أحيانا عسير لغالبية الناس وأنا واحد منهم. لغتها قد تبدو غريبة لما فيها من الإطناب والاستطراد. الشعوب اليوم منها الإنجليز، والأمريكان، والسويديون، والفرنسيون، والألمان وغيرهم أعادوا كتابة تراثهم، منه ما سطر قبل سنين قليلة وليس قرونا، وأخذوا ينقحونه ويهذبونه ويطبعونه ويعيدونه لشعوبهم بحلة مبسطة وبشكل جديد يلائم الحياة العصرية ويحتفظ بالجوهر كما هو. وبهذا تزداد شعوبهم تعلقا بالتراث والحضارة والإنجازات القديمة. غرضهم الرئيسي هو أن يغرسوا في الجيل المعاصر، لاسيما الشباب حب الأدب والتراث والحضارة القديمة المتعلقة بهم كشعب.
أقول هذا بعد عودتي إلى قصة عبد المطلب في السيرة وأنا أتخيل الشخص الذي كان يظهر له في الحلم والصوت الذي كان يصدر منه والألفاظ الغريبة التي كان ينطقها. هل تأملنا في هذا الصوت مليا؟ هل وقفنا ونحن نقرأ هذه القصة المدهشة كي نحلل الأثر الذي تركته على أهل مكة والجزيرة؟ هل راجعنا أنفسنا أو عاتبناها عندما نلحظ كيف أن عبد المطلب لا يكترث بكل الذهب والسلاح الذي يعثر هو وابنه عليه وهما يحفران بئر زمزم؟ هل تأملنا فرحته عند عثوره على الماء؟ عشرات الأسئلة راودتني وأنا أعيد قراءة هذه القصة.
السؤال هو: من يعيد كتابة هذه القصة بشكل جديد ولغة سهلة سلسة لشباب اليوم ويظهر محاسنها. إنها درس في الأخلاق ما أحوجنا إليه اليوم ومقدمة للمعجزة الكبيرة ألا وهي الوحي. باستثناء القرآن لم يأت ولن يأتي شيء ليبقى كما هو. ولنقرأ قصة عبد المطلب كما أتت في السيرة معا في الأسبوع المقبل ونربطها بموضوعنا «الفتوى والإعلام والإسلام» وحتى ذلك الحين أستودعكم الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي