الأزمة اليونانية: درس للاتحاد النقدي الخليجي
تخطو أربع من دول مجلس التعاون: المملكة، البحرين، الكويت، وقطر نحو اتحاد نقدي خليجي على غرار الاتحاد النقدي الأوروبي، حيث إن الأخير دائما هو التجربة المثالية لدول مجلس التعاون. قضية الديون اليونانية عرضت الاتحاد النقدي الأوروبي إلى أول أزمة قد تكون مصيرية منذ بدأ هذا الاتحاد قبل عشر سنوات. لا تشكل اليونان في حد ذاتها إشكالية كبيرة، حيث إنها تشكل 2 في المائة من الاقتصاد الأوروبي فقط، بل إن أهميتها تأتي في ظل تشابه وضعها مع ما عُرف اختصاراً، ولا تخلو الرمزية من الغمز، في أخذ اسم الخنزير بدول PIIGS، وهي البرتغال وإيرلندا وإيطاليا واليونان وإسبانيا. أصل الإشكالية أن الاتحاد الأوروبي نقدي فقط (العملة وأسعار الفائدة وعرض النقود) ولكنه ليس هناك سياسة مالية موحدة مما أوجد خللاً في اختلاف منظومة السياسات التي تأخذ بها الدول المكونة للاتحاد. فالبعض مثل ألمانيا وهولندا استطاع السيطرة على المصروفات الحكومية والدين وتوازن التوفير مع الصرف الاستهلاكي والبعض الآخر حاول (الاستفادة) من مظلة عملة موحدة للاقتراض والصرف الباذخ دون نمو اقتصادي أو سيطرة على الدين. ما يجعل الحالة اليونانية فريدة هو مخالفة محاسبية، حيث ذكر أن النظام ينص على ألا يزيد عجز الميزانية على 3 في المائة من الدخل القومي بينما وصل في اليونان إلى نحو 12 في المائة دون كشف ذلك في الوقت المناسب.
إذا تنبع الإشكالية من حالة توافق في السياسة النقدية دون توافق في السياسة المالية أو حتى درجة أعلى من التوافق السياسي. فقدان حالة التطابق هذه لم يعط اليونان فرصة من خلال تخفيض العملة كأداة لإيجاد حالة جديدة للتوازن الاقتصادي. اتفقت دول المجلس على إطار مشابه لدول الاتحاد الأوروبي، لذلك فإن أفق أزمة مشابهة بين دول المجلس تلوح في الأفق، وقد يكون مهرب للدول الأصغر أن تعول على دعم مالي من الدول الأكثر ملاءة مالية مما قد يعرض الاتحادين إلى نقد حاد. هناك طبعا اختلافات مهمة بين الاتحادين الأوروبي والخليجي مثل تشابه دول المجلس اقتصاديا أكثر من دول الاتحاد الأوروبي ـ فجميع دول المجلس تعتمد في الأساس على العوائد النفطية ــــ البحرين على درجة أقل ولكنها الأصغر اقتصادا.
ولكن يقابل هذا التطابق نزعة سياسة خاصة بالمنطقةـ رغبة في الاستقلال دون اعتبار للمصلحة العامة العليا وهذا قد يكون مصدر احتكاك في تطبيق سياسة مالية متماثلة. ولعل إرهاصات إشكالية ديون دبي الحكومية وشبه الحكومية وعلاقة حكومة أبوظبي، غير الواضحة جليا، مثال على احتمال وتبعات التعامل مع القضايا المالية ودرجة التوافق الاقتصادي والسياسي بين الدول المكونة للاتحاد.
ما يسجل لدول مجلس التعاون هو بطء عملية الاتحاد سواء كان مقصودا أو غير مقصود فإن عامل الوقت أظهر عمق إشكالية الفجوة بين السياسات النقدية والمالية في حالة أي اتحاد اقتصادي. كذلك يجب التذكير بأن مسيرة مجلس التعاون بدأت سياسية إلى أن وصلنا إلى الصيغة النقدية الحالية. اتضح من التجربة الأوروبية أن العامل السياسي لا بد أن يتقدم خطوة أخرى مرادفة لأي اتحاد مالي يتزامن مع الاتحاد النقدي. دون ذلك، فإن الأسس المنطقية اقتصاديا للاتحاد سوف تكون في حالة تساؤل وعرضة لأي هزة مالية، كذلك قد تحمل مخاطر للدولة الأكبر اقتصاديا وماليا. فالتراجع عن الاتحاد لدولة صغيرة أقل عناء من دولة كبيرة. لكي نضمن النجاح لا بد من التقدم خطوة نحو الاتحاد الاقتصادي والمالي والسياسي.