رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


اقتصاد «التمنيات» العربي!

''المعرفة لا تكفي، يجب علينا أن نُطبق. الاستعداد لا يكفي يجب علينا أن نفعل''.
المؤلف والشاعر الألماني جوهان ولفجانج

تُطرح على الساحة العربية قضية تكتسب أهمية كبيرة من حيث قيمتها، ومن جهة ارتباطها بصورة عضوية بالمستقبل. كما أنها تكتسب بريقًا استراتيجيا، يصعب على المُتابع أن يتجاهل ومضاته. ويقوم الطارحون – بحماس واضح – بعرض القصة (ومعالجتها)، على أنها محورية في هذا الوقت، ولا يمكن تجاهلها، بل لا يمكن تأجيلها. فهي – أي القضية – شيء ينبغي أن يكون حاضرا الآن وليس غدًا، على الرغم من الأولويات الأخرى المؤجلة أو المتثاقلة ضمن اهتمامات العالم العربي. ويرى المتحمسون أن طرحها الآن، لا يُقوض الأولويات (المقوضة أصلاً)، بل على العكس، يمكن أن تشكل حافزا لدفع ما هو مقوًض منها إلى الصدارة. أي أن القضايا يمكن أن تطرح في كل الأوقات، طالما أنها تلتصق بمستقبل المنطقة العربية، وتشكل ضرورة حتمية لها.
القضية ببساطة هي: الاقتصاد المعرفي أو اقتصاد المعرفة knowledge economy, وهو اقتصاد يمثل المعرفة الفنية والإبداع والذكاء والابتكار والمعلومات. هذا الاقتصاد المتنامي عالميا، الذي بدأ في احتلال مكانة كبيرة ضمن نطاق الاقتصاد الدولي الشامل، وفي الحراك الاقتصادي العام، واستحوذ على حصة متنامية منه. فقد بات يشكل قطاعا أصيلاً، ومجالاً واسعاً للاستثمارات وما يرتبط بها. هو أشبه باقتصاد '' الـ دوت والـ كوم'' الذي برز إلى العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، مع فارق واحد، أن هذا الأخير معرض لـ ''المفرقعات الاستثمارية'' والصفقات الوهمية، بينما لا توجد ثغرات في اقتصاد المعرفة – على الأقل في الوقت الراهن ـ يمكن أن تلج منها تلك ''المفرقعات''، لأنه يمثل منهجية لا سلعة، ويشكل أداة مساعدة للاقتصاد الشامل – إن جاز التعبير – لا ''نشازا'' اقتصادياً أو وهماً استثمارياً. كما أنه اقتصاد معرفي لا معلوماتي فقط. فالمعلومات ـ كما يقول العالم الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتاين : '' ليست معرفة''.
قبل شهر تقريباً، اشتركت في ندوة تلفزيونية تحت عنوان عريض ومهم هو ''اقتصاد المعرفة .. أم معرفة الاقتصاد''، وذلك ضمن فعاليات ''المنتدى الاستراتيجي العربي'' الذي يتخذ من دبي مقراً له، ويطرح قضايا تحاكي المستقبل بالفعل، من خلال ما يعرضه ويناقشه من مادة تهدف أساساً إلى رفع مستوى الوعي في قضايا التنمية في العالم العربي. كانت الندوة ( ستعرض على تلفزيون دبي في نيسان (أبريل) المقبل متدفقة، وكان علينا – كمشاركين – في النهاية أن نجيب عن سؤال استنتاجي هو: هل يجب على العرب التركيز على اقتصاد المعرفة، أم معرفة الاقتصاد؟ وقد كنت مع الشطر الثاني من السؤال. لماذا؟
قبل محاولة الدفاع عن اختياري هذا، لا بد من الإشارة إلى أن اقتصاد المعرفة يستحوذ حالياً – حسب الأمم المتحدة – على 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وينمو هذا الاقتصاد بمعدل 10 في المائة سنويا، وهي نسبة عالية للغاية. وطبقا للمنظمة الدولية، فإن 50 في المائة من نمو الإنتاجية في الاتحاد الأوروبي، هو نتيجة مباشرة لإنتاج واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ورغم هذا النمو الكبير على الصعيد الأوروبي، إلا أن ''استراتيجية برشلونة'' التي أطلقها الأوروبيون في العام 2000 وهدفت إلى تحويل قارتهم خلال عقد من الزمن إلى اقتصاد المعرفة الذي يعتبر الأكثر تنافسا وديناميكية في العام، أخفقت بصورة كبيرة، مما شكل إحباطاً واضحا ومعلناً، لدى صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي! وما علينا إلا أن نتابع إحباط المتقدمين في هذا المجال، كي نرسم الصورة بشكل واقعي على الساحة العربية.
إن رأس المال في اقتصاد المعرفة، هو التناغم مع التطورات التي لا تتوقف على صعيد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ولن يتم هذا التناغم بمعزل عن وجود ذهنية إبداعية ابتكارية فنية حاذقة، وقبل ذلك تعليم يحاكي آليات هذا الاقتصاد ومتطلباته. فلا تزال الفجوة واسعة بين خطط التنمية البشرية والمناهج التعليمية في العالم العربي. وهذه الأخيرة – أي المناهج – لا تزال ''متناغمة'' مع الحراك التنموي – الاقتصادي الذي كان سائدا في النصف الثاني من القرن العشرين، مقابل تواضع تناغمها مع الحراك التنموي في القرن الحادي والعشرين، مع غياب شبه تام للاستثمار العربي في المعرفة! ومع ذلك فالمصيبة لا تنحصر فقط في هذه النقطة الحيوية، بل تتجاوزها إلى الحقيقة المُرة التي قدمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ''الألكسو'' في مطلع عام 2008، عندما أعلنت أن العالم العربي يحفل بـ 100 مليون أمي، من أصل 335 مليون نسمة. أي أن هؤلاء يشكلون نحو 30 في المائة من مجموع سكان المنطقة العربية! طبعا لن نتحدث هنا عن المناطق الشاسعة في بعض الدول العربية التي لم تصلها الكهرباء أصلا، وتلك التي تعيش على مياه الصرف الصحي، وتلك التي يعيش الفرد فيها على دولار أمريكي واحد في اليوم، وتلك التي تعيش الأسرة فيها على عائلها الطفل!
في العالم العربي لا تزال المسألة معكوسة بين احتياجات السوق والموارد البشرية. ففي هذه المنطقة تتواصل المحاولات لتلبية متطلبات هذه الموارد، لا لسد احتياجات السوق. ولهذا السبب تتصادم مخرجات التعليم مع ''الأوعية'' المستقبِلة للخريجين! والبيئة التعليمية في العالم العربي لا تزال عازفة عن مسايرة ''الذهنية الإلكترونية'' – إن جاز التعبير- فهذه الأخيرة تمثل ضرورة حتمية للاندماج والتلاقي مع ما يجري وسيجري.. لا مع ما جرى فقط. ولكيلا نظلم العرب، ونقارنهم بالأوروبيين والأمريكيين، نقول: إن الفوارق شاسعة بين نظم التعليم عند العرب، ومثيلاتها في أقرب المناطق إليهم. فغالبيتهم – على سبيل المثال – من آسيا، وهذه الأخيرة على حدودهم. ولأن التعليم هو أُس الإنسانية والتنمية والعمل، هو بالتالي الأساس لأي اقتصاد كان – معرفيا أو غير ذلك - هو الحاضن الأول لأدوات الإنتاج، إلى جانب وجود منظومة للتأهيل وإعادة التأهيل أيضا، خصوصا في ظل اقتصاد عالمي متغير ومتبدل ومليء بالأزمات المفاجئة وتلك المتوقعة.
لا يمكن للعرب أن يكون لهم دور في اقتصاد المعرفة، أو أن يبدأوا ''السباحة في بحره''، من غير عملية تأسيس لن تكون قصيرة الزمن. عملية فيها من الإرادة على مواكبة المتغيرات، والشجاعة على ما هو قائم، أكثر مما فيها من التمنيات. عملية تستوعب العولمة من الزاوية الحميدة لها. عملية تفسح المجال للقطاع الخاص الوطني الطبيعي – لا الجشع ولا '' المُفرقَع'' – ليكون مشاركا في تطوير مخرجات التعليم، إما عن طريق الاستثمار المباشر، وإما من خلال توفير الوظائف التي تخدمه وتخدم التنمية ككل. وهذا الأمر يعيد طرح السؤال العريض : ''اقتصاد المعرفة.. أم معرفة الاقتصاد''؟
للوصول إلى اقتصاد المعرفة والانخراط فيه بصورة واقعية لا ارتجالية، لا بد من معرفة الاقتصاد أولاً. ولا بد من تأمين احتياجات السوق العربية من الموارد البشرية والمؤهلين، قبل الانتقال إلى الاقتصاد الجديد. ولا بد أيضا من تهيئة الساحة لاقتصاد المعرفة، ليس فقط عن طريق توفير – مثلا – الإنترنت للجميع، بل فهم العمل على الشبكة الدولية بذهنية استثمارية تنموية. فالمعلومات التي تبقى على أجهزة الكمبيوتر فقط، لا توفر للمستخدم إلا مساحة ثقيلة على قرصه الصلب، وتظل مكدسة لا قيمة لها، إذا لم تتحول إلى معرفة.
إنها عملية ابتكار لا مسألة تجميع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي