رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لائحة الحوكمة والمادة 15: ما لا يلزم على مجالس الإدارات لزومه

عندما أصدرت هيئة السوق المالية لائحة حوكمة الشركات أثارت معها جدلا واسعا وذلك رغم أن الهيئة اعتبرتها غير ملزمة في ذلك الحين وإنما هي للاسترشاد فقط. منذ ذلك الحين شهدت الشركات برامج واسعة لتطوير حوكمتها وثقافتها وموظفيها في ذلك. ومع استمرار النقاش والجدل والحوار حول هذه اللائحة ارتفع الوعي بأهميتها وفائدتها وبدأت الشركات تباعا بالإفصاح الاختياري عن قواعدها في الحوكمة وما طبقت منها وما لم تطبق. ومع نهاية العام الماضي وبداية هذا العام ارتفعت حدة الحوار بين الهيئة والشركات وبدأت الهيئة تلوح بإلزامية القواعد، ثم اتخذت خطوات أكثر في هذا الاتجاه بالإلزام بالإفصاح عنها لتظهر لقراء القوائم المالية معلومات كانت تحجب عنهم ومنها معلومات عن مكافآت أعضاء مجلس الإدارة. وفي هذا الأسبوع اتخذت خطوة بالغة الأهمية بإلزام الشركات بتطبيق المادة 15 من لائحة الحوكمة, وذلك بدءا من العام المقبل 2011.. فما المادة 15؟ ولماذا اهتمت بها الهيئة لتبدأ من خلالها سلسلة الإلزام؟
تنص المادة 15 من لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية بأن على مجلس الإدارة تشكيل لجنة تسمى لجنة الترشيحات والمكافآت. وعلى الجمعية العامة إصدار القواعد اللازمة لاختيار أعضاء اللجنة ومدة عضويتهم وأسلوب عمل اللجنة. ووفقا للمادة 15 فإن من مهام اللجنة التوصية لمجلس الإدارة بالترشيح لعضوية المجلس، مراجعة المهارات المطلوبة والمؤهلات اللازمة للعضوية بما في ذلك الوقت الذي يجب أن يخصصه العضو لأعمال المجلس، مراجعة هيكل المجلس ورفع التوصيات حول ذلك. كذلك من مهامها التأكد من استقلالية الأعضاء المستقلين وعدم وجود تعارض للمصالح، وضع سياسة واضحة للمكافآت. هذه أهم المهام وباستعراضها فليس غريبا أن تتخذ الهيئة خطوة الإلزام. الشركات التي بدأت تفصح عن مكافآت مجلس الإدارة بدأت تثار الأسئلة حولها: من حدد ومن قرر ومن استفاد؟ كما لم تزل مشكلة تعارض المصالح قائمة ولا توجد جهة أو لجنة تفصل في هذا الموضع الشائك جدا, لذا يأتي الإلزام في وقته فعلا وقد أقول ضربة معلم.
لكن هل المادة 15 بهذا النص ملزمة بشكل يحقق الهدف المرجو منها؟ لاحظ أن الهيئة تركت عدد أعضاء هذه اللجنة مفتوحا بحيث تحدد كل شركة عدد الأعضاء الذي هي في حاجة إليهم. كما تركت تشكيل اللجنة (أي تعيين أعضاء اللجنة) في يد مجلس الإدارة رغم أنها جعلت تحديد القواعد اللازمة للاختيار ومدة العضوية من صلاحيات الجمعية العامة وهنا المشكلة. من المعلوم أن معظم الشركات السعودية شركات عائلية أو مسيطر عليها من خلال رجال أعمال أو تكتل رجال أعمال معروفين يعملون بشكل توافقي في كثير من الأحيان، كما أنه من النادر أن تنعقد جمعية عامة بنصابها الضروري بل إن هذه الجمعيات لا تنعقد غالبا من خلال الدعوة الثانية وبمن حضر وهم تكتل العائلة ومجموعة رجال الأعمال, وهم المسيطرون على مجلس الإدارة لتمر القرارات التي يرغبون في سلام، فكيف – في ظل هذا الواقع - يكون الإلزام فاعلا لتشكيل لجنة تقوم بتحديد أهم ما يهم أعضاء مجلس الإدارة وهو الترشيح والمكافآت؟ لماذا تركت الهيئة هذه المادة واسعة بهذا الشكل بينما كانت تستطيع تعديلها أو تفسيرها بشكل يضمن نجاح فكرة اللجنة والهدف؟ كما أنها لاحظت أن هذه اللجنة هي من أهم الموضوعات التي كانت الشركات تتهرب منها وتقر بعدم تبنيها؟ إن بقاء المادة بهذا الشكل سلم قياد اللجنة لمجلس الإدارة وسيجعل المجلس في حل من اختيار أو وضع قواعد تقيد حرية أعضائه ومكافآتهم وكأن المادة تقول للمجلس بعدم التزام ما لا يلزم.
نعم هذا هو المطبق في معظم دول العالم ونعم أنا مع اللوائح المرنة, خاصة في مجال الأعمال والاقتصاد، لكن هذا كله في ظل وعي اقتصادي كاف من فئات المجتمع, وفي ظل تولي الجمعيات العمومية لمسؤولياتها. لكن في الوضع الراهن للشركات السعودية وجمعياتها فإن مثل هذه الخطوة وبهذا الشكل لن تؤتي ثمارها المنشودة وسيبقى الحال كما هو عليه بل قد يكون أسوأ من ذلك حيث منحنا مجالس الإدارة شرعية هائلة في الترشيح وفي نوعية وحجم المكافآت التي يحصلون عليها. ومن حيث أردنا جبرها كسرناها, فبعد أن كان المجلس يجد صعوبة في تبرير حجم المكافآت يكفيه الآن أن يشير إلى قرار لجنة المكافآت. وكما هي الحال في لجان المراجعة سيكون هو الحال هنا فلا خبرة ضرورية ولا حاجة إلى التأهيل وستصبح القصة مجرد شكليات قانونية خالية من معانيها وهذا عضو في لجنة مكافآت شركة ذاك، وذاك عضو في لجنة مكافآت شركة هذا، ولا عزاء لمن ليس له شركة.
معظم اللوائح التنفيذية لقواعد الحوكمة تنص على أن عدد أعضاء هذه اللجنة هو بين ثلاثة وخمسة أعضاء يكونون مستقلين ليسوا من بين مديري الشركات ولا موظفيها أو شركاتها التابعة. كما تشترط هذه اللوائح أن يكون الأعضاء في هذا اللجنة ممن لديهم خبرات متنوعة, خاصة في قواعد السوق المالية ونظام الشركات والأنظمة ذات العلاقة. كنت أتنمى من الهيئة أن تقرر الإلزام بهذا الخصوص وبذلك تحقق بعض الفوائد المرجوة من هذه المادة وإلا سيتحول الأمر إلى غطاء قانوني لمشكلات قائمة فعلا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي