رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


شركة "رجال ألمع" وتسلق شاهق المستقبل

ولدت من رحم الجبال, فهي ابنتها احتضنتها حتى غدت عروس الجبال. إنها ''رجال ألمع'' التي امتهنت صناعة المستقبل وتسلق شاهق المستحيل. وليس من سمع كمن رأى وخوض تجربة المشاهدة المدهشة لتلك الجبال الشم العظيمة وهي تحتضن قراها وأهلها ليتعلموا منها حب القمم ومحاكاة النجوم, هي تجربة تشد الرحال لأجلها. ورغم كل الندرة الحقيقية للموارد الاقتصادية فقد صنعت ''رجال ألمع'' موقعها على خريطة الحركة الاقتصادية لمنطقة عسير منذ القدم وحملت مشاعل العلم فيها أسرٌ تناقلته جيلا بعد جيل. واليوم ورغم عدم وجود كليات للتعليم العالي في المحافظة إلا أنك ستندهش حتما من قلة عدد أولئك الحاصلين على درجات أقل من البكالوريوس من الجنسين, بل لقد تم حصر أكثر من 100 ألمعي يحملون درجة الدكتوراه ومثله ممن يحملون درجات علمية مختلفة وعديد من الضباط برتب عسكرية عالية في شتى القطاعات ومنهم من يعمل في السلك الدبلوماسي وقدم لوطنه خدمات جليلة. ولأنها هكذا تعشق القمم ومقارعة الصعاب فقد اختطت طريقها السياحي وفق منهجها العصامي وهي تقدم شركة رجال التي تمثل تجمع الجمعيات التعاونية للأهالي لتقود بها العمل التعاوني إلى مرحلة متقدمة في بلادنا مشاركا فعليا في تنمية الوطن وتحقيق الرفاه للمواطن. وبعد أن كانت الجمعيات التعاونية للقبائل والقرى مجردة من معانيها الاقتصادية وتنشأ لتعمل فقط على مواجهة الطوارئ وما قد يحل بأفراد الجماعة إلا أنها ووفقا للتجربة الألمعية قد تعمل على خلق قوة اقتصادية تستطيع من خلالها خلق الفرص الوظيفية لأبناء الجماعة والمساهمة مع الدولة في تحقيق التنمية بشتى صورها وذلك باستخدام الميزة التنافسية التي تنعم بها رجال ألمع.
برعاية الأمير فيصل بن خالد بن عبد العزيز أمير عسير وحضور الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار تم مساء الثلاثاء الماضي إطلاق مشروع تأهيل وتطوير قرية رجال ألمع في مقر القرية في محافظة رجال ألمع . كما رعى أمير منطقة عسير ورئيس الهيئة مراسم توقيع محضر الاتفاق بين الشركاء من الجهات الحكومية والمجتمع المحلي لإنجاز المشروع وتسليم الوثائق, وتوقيع محضر اتفاق البنك السعودي للتسليف مع شركة ''رجال'', ثم توقيع شركة رجال مع الشركة السياحية المنفذة والمشغلة للمشروع. وقال الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار إن مشروع قرية ''رجال'' هو مشروع تضامني، الكاسب الأول فيه الوطن والمواطن، فهو مشروع تعمل فيه قرابة ثماني وزارات، ويمثل فكرة جديدة تنطلق فيه الجمعيات التعاونية التي يملكها أصحاب القرية، وما يعود فيه من موارد مالية يعود إلى أهالي القرية أنفسهم. و لم يكن لهذا الحدث أن يمر على أولئك الأفذاذ من رجال ألمع دون أن يقدموا لوحة فنية رائعة أمام أمير المنطقة خلال حفل التدشين في شكل لقطات استعراضية تحت اسم ''قصة مكان'' يروي في ثماني لوحات قصة الماضي قصة التحدي وشح الموارد وكيف تشترك القرى والرجال في بناء بيت، كيف تتناقل القبائل عمود البيت الأساسي (يسمى المعدل), الذي يحمل سقف البيت وبه تبدأ قصة الأسرة والمنزل. كيف لم ينس أهل تلك القرى مع كل تلك اللأواء طريق العلم والتعليم. لقد كانت لوحات فنية رائعة مثلت أهل رجال ألمع أهل السهل الممتنع.
في تلك اللوحات الفنية الرائعة لم يستعن أهل رجال بمخرج فرنسي أو بريطاني بل هم أبناء المنطقة الذين أخرجوا وقدموا ذلك العمل واستعرضوا واستذكروا فيه وبه تلك الأيام الصعبة التي قلت فيها الموارد بشكل حاد لكنها لم تحد من إرادة الحياة وإن جعلتها صعبة جدا. من تابع لوحات الاستعراض سيفهم بلا شك إلى أي درجة كان بناء بيت في تلك القرى يعد حدثا عظيما تظهر به إرادة الحياة التي يشترك فيها جميع أفراد القرية, بل حتى القرى والقبائل المجاورة وكانت عملية نقل الحجارة والأخشاب قصة حلم ورقصة نجاح. تلك كانت حقبة حتى جاء العهد السعودي الزاهر وجاءت معه الموارد تطلبه حثيثا من خلال الطرق والعقبات والأنفاق التي حطمت كبرياء الجبال العصماء, وما كان مستحيلا بدا سهلا ميسرا, ولتنتهي قصة نقل عمود السقف الذي تتلقفه يد القبائل وتظهر الناقلات العملاقة لمواد البناء ومضخات الأسمنت الضخمة وتصل بسهولة إلى قلب تلك الجبال تضخ معها التقدم والحضارة ومن كتاتيب إلى مدارس وكليات. إنها قصة الحضارة التي تتناقلها الأجيال، يسلم رايتها جيلا إلى جيل وفي يوم الثلاثاء الماضي تقدم رجال ألمع وتجارها الريادة مرة أخرى وهي تصهر العمل التعاوني بالشعبي والعمل الحكومي بالخاص في مشروع شركة رجال. وهي تجربة شعبية تستحق الإشادة والتشجيع والدعم والمراقبة, ولعلنا لن ننتظر طويلا قبل أن نشاهد اليوم الذي تدرج فيه هذه الشركة ضمن مجموعة أكبر 100 شركة سعودية وضمن منظومة سوق المال.
إن نجاح شركة رجال نجاح مرحلة مهمة من مراحل تقدمنا الفكري والاقتصادي, فهو الذي سيقطع شوطا طويلا من الثقافة السياحية الاقتصادية بتتبع الميزة التنافسية لكل مدينة وقرية من بلادنا واستثمار تلك المزايا فيما يعود على أفراد القرية بالنفع والرفاه. سنقطع بهذا شوطا كبيرا من ثقافة التعامل مع الآخر الذي سيبدو هذه المرة مختلفا شريكا في النمو والازدهار وليس عدوا أو خصما لها. سنقطع شوطا من الانفتاح المحمي بجدار صلب مبني من ثقافة شعبنا وتاريخه الضارب في الزمن ورجال ألمع خير شاهد ودليل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي