الفتوى والإعلام والإسلام (1)
في جمعتنا المباركة هذه أقحم نفسي مرة أخرى في موضوع حسّاس قد يجر عليّ من النقد والتجريح ما قد أستحقه أو لا أستحقه. وربما يردني من المديح ما يكون في محله أو غير محله، إلا أنني على ثقة كبيرة بأن أغلبية قرائي الكرام على دراية، بعد أكثر من ثمانية أشهر من حياة هذا العمود، أن للإسلام وقرآنه مكانة كبيرة في تكويني ونجاحي في هذه الحياة، وأن ما أكتبه بالإنجليزية أو العربية بمثابة ردّ جميل لفكر سماوي يستحوذ اليوم على قلوب وعقول مليار ونصف من البشر.
وتكنولوجيا المعرفة جعلت الإسلام في متناول الجميع، الكل بإمكانه قراءة القرآن باللغة الأم، والكل بإمكانه التعلم والاستزادة منه. أي أن دراسة الإسلام وقرآنه حتى تفسيره والالتزام ببعض أو كل تعاليمه لم تعد حصرا على المسلمين، سيبقى العالم، المسلم وغير المسلم، مشغولا بهذا الدين وكتابه إلى قيام الساعة.
والقرآن بدايته أو تنزيله على رسول الإسلام محمد لم يكن نصا مكتوبا، كان الملاك يتلوه على النبي والنبي بدوره يتلوه على أصحابه، القرآن تحول من نص شفوي إلى نص مكتوب بعد وفاة الرسول بسنين، هل كان العرب على دراية بكتب سماوية أخرى في عهد الرسالة؟ نعم، كانوا على علم بالتوراة والإنجيل. كان لليهود دور اجتماعي واقتصادي كبير في جزيرة العرب. وكان النصارى على قرب ومودة منهم إن في نجران أم بين المناذرة والغساسنة الذين كانت أغلبيتهم تدين بالمسيحية. وما يشدني ويأخذ بألبابي هو قراءة أو تلاوة الحوار القرآني بين منزّل الذكر وبعض من اليهود والنصارى.
والنص الحواري في القرآن له دلالات الزمان والمكان، وهذه، في رأيي المتواضع، تسبغ عليه صفات وميزات لها علاقة مباشرة بالتاريخ، والتراث، والثقافة، والجغرافيا، والطبيعة، والحياة، والدين، واللغة، والإنثولوجيا، إضافة إلى قدسيته، أي أن النص وليد بيئته. وهناك أدلة كثيرة على ذلك، منها أسماء الفواكه والنباتات المذكورة في القرآن، يقسم الله بالتين والزيتون، وليس الموز والمنقة.
والقرآن معجزة. هذا لا شك فيه. ولكن المعجزة هذه أتت كي تنير الدرب للبشرية، كي يحل النور مكان الظلام والجهل، والعدل مكان الظلم، والمساواة مكان التفاوت، والعلم والمعرفة مكان الأمية، والعمل والمثابرة مكان الكسل والقعود. وهكذا وفي أقل من 50 سنة أخرجت هذه الرسالة العرب الحفاة الذين كانوا مثار تندر واستخفاف بين الأمم لجاهليتهم من الظلمات إلى النور، من قبائل تقتل وتقاتل بعضها بعضا بعصبية مقيتة إلى أصحاب دولة قضمت ظهر القوتين العظميين في ذلك الزمان - إمبراطورية الروم وإمبراطورية الفرس.
في أقل من نصف قرن تغير زمان ومكان العرب، أي حاملي الرسالة، تغيرا جذريا، النص القرآني لن يتغير لأنه في لوح محفوظ. التغير، الذي هو أيضا شأن من شؤون منزّل الذكر، طرأ ويطرأ وسيطرأ علينا وعلى مكاننا وزماننا، والتغير في المكان والزمان يجلب أمورا لم تكن في الحسبان فبدأ المتضلعون في الدين بتحليل ودراسة ما كان المسلمون الأوائل سيفعلونه أو بالأحرى ما كان الرسول سيفعله أو يقوله في زمان ومكان مشابه. وهكذا ظهر الفقه، والفقيه مهما علا شأنه ومكانه ومنصبه وعلمه وقوله أو أقواله (فتواه)، بشر يستند إلى دراسته وتبحره. ومهما وصل من العلم درجة، يبقى بشرا تحتمل أقواله التأويل، ولأنه بشر يحق لبشر آخر أن يرى قوله من منظار مختلف، إذا كنا نختلف على تفسير كتاب الله ما الضير أن نختلف أو حتى نرفض ما يأتي به الفقيه في فتواه. إذا كان النص القرآني المنزّل يحتمل أوجها كثيرة، فما بال بعض الفقهاء في الإسلام يضع نفسه فوق النص. ليس هذا فقط، هناك من يصدر من الفتاوى وكأن زمانه ومكانه هو ذات الزمان والمكان بالنسبة إلى المسلم في الصين، أو الهند، أو الولايات المتحدة. عظمة الإسلام في تنوعه، عظمة الإسلام في غياب نبي أو قول منزّل بعد محمد والقرآن الذي أنزل عليه. محمد خاتم الأنبياء والقرآن خاتم الكتب السماوية، وهذا ركن من أركان الإسلام، فما بال بعض العرب والمسلمين يتحاربون ويتقاتلون قولا وفعلا على فتاوى يأتي بها البشر وينسون ما أتى به الله؟
وإلى اللقاء