رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مرحلة جديدة في نضج السوق: سحب طرح الطيار

فوجئ الوسط الاستثماري بسحب طرح شركة الطيار الأسبوع الماضي بعد ما فشلت محاولة جمع حصة المؤسسات المالية في مرحلة بناء الأوامر. فقد ذُكر أن نسبة التغطية بلغت ثلثي المبلغ المطلوب مما سبب إحراجا للشركة والمتعهد بالتغطية. ولكن بعيدا عن توجهات الحالة النفسية أو حتى القدرة الفنية لهذا أو ذلك أتى هذا السحب بمثابة نقطة تحول صغيرة ولكنها مهمة في سلم تطور ونضج السوق السعودية. عزوف المؤسسات المالية عن الإقدام بتلهف في الاستثمار في شركة الطيار يحمل عدة دلالات محتملة. ولكن ما يهمنا هو تلمس نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة. يقال إن السوق هو المسعر، فقد قال جزء من السوق كلمته. سوف يقال الكثير عن نموذج وكالات السفر وهامش الربحية ومدى سهولة دخول المنافسين وحجم الدين الثابت مصاحبا لعمل تجاري متذبذب وغيرها من عوامل القيمة الجوهرية ومدى استدامتها في أي شركة، ولكن سلطان السوق له كلمة أقوى.
تاريخيا، كأننا على موعد مع شهر شباط (فبراير) ففي هذا الشهر قبل أربع سنوات عشنا ملحمة الانهيار الكبير، وفي هذا الشهر أول مرة يُسحب طرح بسبب عزوف طبقة محترفة عن التغطية الكافية. ولكن قبل الطيران بعيداً دعنا نقول موضوعيا إنه لو كان الطرح للعامة فإنه سوف يكتمل لا محالة. لذلك، بدا أن هناك انقساما بين المستثمرين والمحترفين وبين العامة ودور الدعاية والإعلان والمراهنة على الماضي القريب. المراقب للأطروحات الجديدة كشركات التأمين التي في عالم آخر لا يزال ينتظر عملية مخاض عسير فإنه يلاحظ قرب أسعار السوق عند سعر الطرح مثل شركتي الأنابيب وهرفي.
الاستحقاق العملي والقانوني أن يقوم متعهد التغطية بإكمال المبلغ اللازم إلا إذا كان هناك اتفاق آخر بين شركة الطيار والمتعهد. لا أعرف طبيعة العلاقة ولكن لا بد أن هذه التجربة جرس إنذار لمتعهدي التغطية وحتى للهيئة من ناحيتين - الأولى، في دور متعهد التغطية من خلال الشفافية وإيضاح المخاطر وخاصة تلك العلاقة مع نموذج وطبيعة العمل والالتزام، وبالتالي تسعير هذا الدور لما ينطوي عليه من مخاطر، والثانية هو مسؤولية الهيئة في حماية المستثمرين وسلامة السوق من خلال دراسة معمقة للقيمة الجوهرية ومدى استدامة ذلك النموذج أو ذاك على الأقل حتى تصل السوق إلى حالة من النضج والطابع المؤسساتي.
هذا الطرح والسحب أحد إرهاصات تطور السوق السعودية، ولذلك لا بد من الوقوف عليه والتفكير حوله إيجابيا. فلا يمكن أن نأخذ باقتصاد السوق ثم نعطل أحد أركانه أو أن نحاول الالتفاف على البعض الآخر. نعطل أركانه حين لا تقوم الهيئة بفرض دور واضح لمتعهد التغطية يحمله على القيام بمخاطر محسوبة وتُسعر تباعا ونلتف حوله حينما نبدأ في استغلال فجوة الوعي بين المستثمر المحترف وبين العامة، فهذا كيل بمكيالين. فما لا يقبله المحترف فهو غير مناسب للمواطن الأقل معرفة مالية. بل إن هناك حاجة عملية للمحافظة على مصداقية السوق وجذب مستثمرين جدد من خلال عملية تسعير واقعي. كذلك لا بد للإعلام الاقتصادي من إيضاح الحقائق.
قد يكون هذا العام فاصلا في عملية نضج السوق من حيث عدد الأطروحات وتنوع القطاعات حتى ينصب ذلك تدريجيا إلى فاعلية التقييم والتسعير. قد يكون الطيار حلق بنا إلى عامل تقييم أفضل وأكثر معقولية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي