الاستراتيجية الصناعية: كلام جميل ولكن

أقر مجلس الوزراء الاستراتيجية الوطنية للصناعة حتى عام 1441هـ وآليات التنفيذ في السابع من صفر 1430هـ. وتصدرت وثيقة الاستراتيجية عبارة خادم الحرمين الشريفين ''الصناعة خيارنا لتنويع مصادر الدخل''. والاستراتيجية عمل جبار وجهد مشكور. لكنها، ككل عمل بشري، لا تخلو من نقص ومواضع تتطلب مراجعة وإعادة.
تتكون الاستراتيجية من ثلاثة أجزاء، الأخير منها خصص للحديث عن ثمانية محاور لتنفيذ الاستراتيجية الصناعية، منهما محور عن المنشآت الصغيرة ومحور عن القوى البشرية. وهذان المحوران موضع التركيز في هذه المقالة.
في حديثها عن تطوير قطاع المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة، أكدت الاستراتيجية أهمية تبني برامج عديدة، يقف على رأسها دعم المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة بوسائل عديدة.
المشكلة أو الفرضية التي أطرحها أن كل برامج الدعم تفيد فائدة محدودة جدا في تطوير الموارد البشرية الوطنية في ظل الإدمان على الاستقدام. هذه عقبة كبرى لم تناقش في الاستراتيجية.
عندما يتكلم مواطن (أو مجموعة مواطنين) عن فتح منشأة صغيرة، فهو عادة يفكر وبصورة تلقائية في أحد اتجاهين، لأنه يرى أنها الأنسب لتحقيق مصالحه وتعظيم أرباحه: الأول توظيف غير مواطنين لأداء كل أو جل الأعمال التنفيذية تحت إشرافه وإدارته. والاتجاه الثاني الحصول على ترخيص لمنشأة، مع تسليم إدارة وتشغيل المنشأة إلى غير مواطنين مقابل عمولة أو مبلغ ثابت دوريا.
كلنا نعرف أن صاحب المشروع يرغب في تحقيق أرباح مرضية له. وبلغة مبسطة، تتمثل هذه الأرباح في الفرق بين الإيرادات والتكاليف. وحيث إن هناك عمالة وافدة هي أقل تكلفة (إلا في حالات قليلة)، فإنه سيلجأ إلى توظيفها بأي وسيلة تتاح له. وحتى لو كانت هذه الوسيلة أو الأداة الوسيطة لها تكلفة، فهو سيوازن بينها وبين عدم اللجوء إليها. أي أن الدعوى في الأخير ستصبح تطبيقا للمبادئ الاقتصادية المحضة تقليل التكاليف ومراعاة تكلفة الفرصة. هذه النقطة تدخلنا إلى مشكلات في المحور الخامس من الاستراتيجية والخاص بالموارد البشرية. بدأ المحور بالعبارة التالية ''إن الموارد البشرية هي الثروة الحقيقية للمملكة، لذا فإن التنمية البشرية وصقل المواهب هي من أهم الأهداف لتحقيق الرؤية الشاملة للقطاع الصناعي''.
حسنا، نحو 90 في المائة من العاملين في المنشآت الصغيرة من غير المواطنين، فهل غابت هذه الحقيقة عن استراتيجية الصناعة؟
طرحت الاستراتيجية عدة رؤى لتفعيل برامج تنفيذية للقوى البشرية، ومنها برامج لبناء القدرات المهارية. كما طرحت فكرة برنامج لتأمين وظائف للمواطنين في القطاع الصناعي. ولكنني أقول بلغة بالغة الصراحة إن كل هذه البرامج والأفكار لا قيمة لها في ظل سياسة الإدمان على الاستقدام. هاكم المثال التالي، الذي سبق أن طرحته في مقالة سابقة، وأعيد طرحه هنا بتصرف:
أحمد وعلي صديقان متقاربان عمرا، وحديثا التخرج من قسم التكييف في إحدى كليات التقنية، بتقدير ومستوى متقارب. أتيحت لأحمد الفرصة ليعمل في مؤسسة حكومية براتب خمسة آلاف ريال شهريا، والآخر لم يتح له الحظ أن يتوظف في وزارة أو مؤسسة حكومية أو شركة من الشركات الكبرى المرموقة، بل في منشأة من المنشآت المنتمية إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، براتب 2500 ريال شهريا.
يفترض أن يبدأ دوام أحمد الساعة السابعة والنصف وينتهي الساعة الثانية والنصف، ولكن الدوام الحقيقي (كما نعرف في عموم المكاتب الحكومية) يبدأ الساعة الثامنة والنصف تقريبا، وينتهي الساعة الثانية تقريبا بعد الظهر، خمسة أيام في الأسبوع. أما علي فيعمل ثماني ساعات كاملة يوميا على فترتين صباحية ومسائية، باستثناء أيام الجمع.
يشعر أحمد بأمان وظيفي، ويحصل على علاوات سنوية وإجازات منوعة تقارب ضعف ما يحصل عليه صديقه علي. أما علي فيملأه الشعور بالظلم. لديه قناعة بأن وزارة العمل والحكومة والمجتمع كلهم قد ظلموه. كان يرى أنه يستحق ثمانية آلاف ريال شهريا مقارنة براتب وظروف وميزات عمل صديقه أحمد. شعوره بالإحباط والظلم ترجم بكثرة التغيب والانقطاع. صاحب العمل لا يستطيع أن يعطيه راتبا أكثر لأن الجود من الموجود، كما كان يقول ويكرر القول. تعب صاحب مؤسسة المنشأة الصغيرة من تدني أداء علي، فوظف بدلا منه غير مواطن ربما تحت كفالته وربما ليس كذلك.
لماذا سعى صاحب العمل إلى توظيف غير مواطن؟ الأسباب كثيرة، ولكنها تنتهي في النهاية إلى أمر واحد: نظام الإقامة. هذا النظام يقوي الطلب على توظيف عمالة غير ماهرة رخيصة مستوردة. وتبعا لذلك كان سوق العمل مشوها، يعاني تجزئة segmentation.
المشكلة السابقة تتكرر في المنشآت الصغيرة، وسيكون محض وهم لو توقعنا نجاحا قريبا من نجاح ''أرامكو'' و''سابك''.
كما أن من اللافت أن استراتيجية الصناعة لم تشر إلى أهم جهة مسؤولة عن التوظيف في القطاع الخاص وفي المنشآت الصغيرة على وجه الخصوص، وأعني بذلك وزارة العمل. كما لم تتطرق قط إلى استراتيجية التوظيف.
ينبغي على أصحاب الاستراتيجية الوطنية للصناعة إعادة صياغة وبناء المحورين الخاصين بالمنشآت الصغيرة والموارد البشرية، بما يعكس عيوب نظام الإقامة ومشكلات الاستقدام، ويعكس فقد التنسيق الفاعل بين عدة أجهزة. وربما كان من الأفضل أن يطرح في استراتيجية الصناعة مقترح إنشاء مجلس تنسيقي فاعل للتنمية الصناعية، تحت مظلة المجلس الاقتصادي الأعلى. وبالله التوفيق،،،

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي