كيف قتلنا روح المبادرة؟
المبادرة خطوه عملية يقوم بها إنسان مقدام بعد أن لاحظ وفكر ومن ثم عمد إلى تحقيق الفكر على أرض واقع قطاع الأعمال. يقال إن أغلى شيء في الدنيا هو الفكرة الممكن تحويلها إلى قيمة مضافة تخدم المبادر والمجتمع. المبادرة هي الروح التي تدفع بيئة الأعمال الصالحة للنمو. عادة ما تنمو هذه الروح الوثابة في بيئة لها خصائص وظروف يصعب تحديد معالمها أو توقع حدوثها ولكن هذا لا يمنع من الأخذ بالسياسات والخطوات العملية اللازمة لتهيئة البيئة الصالحة لبذر روح المبادرة. لا يمكن أن تأخذ بسياسة السوق ثم تتنصل من الدور المركزي للمبادرة.
أحكم الجهاز البيروقراطي والاتكالية والربح السهل ومحدودية تكافؤ الفرص والاحتكار المساهمة في إيجاد بيئة جديدة غير مشجعة للمبادرة. أتى هذا التطور على مدى عقود قليلة بعد أن كان العربي مثالاً للشجاعة في أخذ المخاطر وعناء السفر والذهنية الوقادة ونزعة بدوية في الاعتماد على النفس. قبل أن نسترجع النواحي الإيجابية في الحقبة الماضية علينا تشخيص حالة اليوم. أسباب إعاقة روح المبادرة هي أعراض الاقتصاد الريعي. يتصف الاقتصاد الريعي بالاعتماد على دخل من الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والمعادن، ولكن هذه بحد ذاتها لا تسبب خراباً في الدار إلا إذا صاحبها ضعف في مؤسسات المجتمع المدني أو ضعف في القطاع الخاص الذي لا يعتمد على تلك الموارد الطبيعية. هذا الضعف يجعل من الفساد وتمييع دور الكفاءة مهنة ملاحقة وملاصقة للاقتصاد الريعي.
لكي تكتمل الصورة لا بد من الإشارة إلى أن الاقتصاد الناشئ، يتطلب فترة زمنية للإشباع المادي، فلا بد للحكومة من السرعة في تأسيس الكثير من المنشآت المادية والمؤسسات النظامية ولكن هذه الفترة لا يمكن أن تستمر وكأن فترة الإشباع لا تعرف النهاية. أرى أن فترة الإشباع هذه بدأت منذ الخطة الخمسية الأولى في عام 1970 وامتدت على مدى جيل كامل وحتى 1995. انتهت فترة الإشباع ولعل البعض يقول إننا دخلنا فترة التخمة للبعض. حان الوقت لإعادة هيكلة البيئة لجعل المبادرة عنوان الفترة القادمة.
التغني بالماضي لا يساعد كثيراً على التخطيط للمستقبل، ولكن أردنا فقط الإشارة إلى وجود تلك الروح لدينا أفراداً أو في العقل الجمعي، لإعادة تأهيل تلك الروح وصفاء الذهن يجب للعمل على تقوية مؤسسات المجتمع المدني مثل قوة القضاء واستقلاله وتنمية القطاع الخاص من خلال كسر الاحتكارات وسبل الربح السهل والترقيات الوظيفية من خلال العلاقات الشخصية والذي يعمل بمثابة كابح على المجدد والطامح ومزيد من الشفافية وتقليص دور الحكومة في الاقتصاد تدريجياً مع تطور في الدور الرقابي.
ولعل هذه الالتفاتة إلى ديوان المراقبة العامة والاستثمار في تطوير آليته وإدخال نموذج التفكير بالتكلفة الاقتصادية وليس مجرد الجرد المحاسبي وانتظام النماذج الورقية في المتابعة مما سيسهم حتماً في تعجيل إيجاد البيئة المتوازنة والمتكافئة في الفرص وتحمل النتائج وجني الأرباح. بقي أن نقول إن تعدد المبادرات الشخصية ونجاحها لهما دور يتناسق مع التوزيع السكاني والطبيعي للمواهب في المجتمع وهذا فقط يكفي لإعطاء الجيل الجديد فرصة.