طقوس غريبة!
يخلد الإنسان بأعماله ونتاجه الأدبي أو العلمي ونادرا ما ينظر الناس أو يهتمون بسلوك وشخصية من يقف وراء هذه الإنجازات، والكثير يحمل صورة وردية عنهم ويعتقد أنهم مثاليون في كل شيء ويسبغون عليهم صفات قد لا يتمتعون بها، فكثير من الناس يعتقدون أن العلماء يجب أن يكونوا جادين ومتجهمين وأن الشعراء حديثهم شعر والممثل الكوميدي مبتسم طوال الوقت، يبقى لطبع الإنسان وبيئته التي خرج منها أثر كبير في رسم شخصيته بعيدا عن نتاجه ومجال دراسته أو طبيعة عمله رغم أن كل هذه الأمور قد تؤثر بشكل أو بآخر.
كثيرا ما ربط الناس بين العبقرية والجنون وبين الفن والبوهيمية وعندما نقرأ في سير العظماء نجد العجب في عاداتهم وشذوذا عن المألوف في تصرفاتهم، فمثلا الإمبراطور الفرنسي (نابليون بونابارت) صاحب أعظم عبقرية عسكرية كان يمص أقراص العرق سوس قبل أن يبدأ في رسم خططه الحربية ومن رداءة حظه كانوا يعتقدون أن رسائله عبارة عن شفرات عسكرية أو خرائط حربية وقالو عنه إنه طيب لدرجة أن أبسط إنسان يستطيع أن يخدعه، أما عالم الفيزياء (أديسون) الذي له عديد من الاختراعات وحفظ عن ظهر قلب كل الحقائق العلمية التي تحويها المجلدات في مكتبته، كان في المرحلة الابتدائية مصابا بضعف الذاكرة وشرود الذهن وكان ينسى حتى اسمه!! ففي مرة كان يقف في الصف لتأدية ما عليه من الضرائب ولما جاء دوره نسي اسمه فذكره أحد الواقفين معه في الصف باسمه، ويشاركه في هذه الصفة العالم الفرنسي (باستير) الذي كرس حياته لدراسة الأمراض المنتشرة ففي ليلة زواجه حضر المدعوون وغاب العريس ولما بحثوا عنه وجدوه في معمله يجري تجاربه.
أما الأدباء والكتاب فقد كانت تصرفاتهم أشد غرابة وقد يخالف واقعهم ما يكتبونه من آراء وما يحاربون من أجله، فالفيلسوف الألماني صاحب مذهب التشاؤم (شوبنهاور) كان يعتقد أن الرجل العظيم هو الذي يفضل الموت على البقاء، وخلافا لذلك كان شديد الحرص على حياته. فقد فر من وباء الكوليرا الذي انتشر في برلين ومن وباء الجدري الذي انتشر في نابولي، وقضى آخر سنين حياته في خوف مستمر من القتل. كما كسر ذراع خادمته حين رآها ترتب سريره لأنه لم يكن يحب أن يدخل أحد غرفته، وعرف بكراهيته الشديدة للنساء وخاصة والدته.
كما كانت لبعضهم طقوس غريبة قبل وأثناء الكتابة ومنهم الروائي الفرنسي (ألكسندر دوما) الذي كان شديد العناية بانتقاء الورق فلقد كان يكتب رواياته على ورق أزرق وبأقلام خاصة في حين كان يسطر قصائده على ورق أصفر وبأقلام غير الأقلام الأولى أما مقالاته الصحافية، فكان يستخدم في كتابتها الورق الوردي ولم يستعمل مطلقا الحبر الأزرق ولم يجلس يوماً إلى منضدة لتأليف رواياته بل كان يستلقي على المقعد.
الشاعر الألماني الأشهر (فريدريك شيللر) لا يستطيع النظم إلا إذا وضع قدميه الحافيتين في سطل ماء مثلج بينما هو يستنشق تفاحة عفنة وخلاف ذلك كان الشاعر (بودلير) ينثر على نفسه العطور ليتمكن من الكتابة.
فلله في خلقه شؤون وليس هناك أجمل من التوازن في الحياة ومحاولة تعديل السيئ من سلوكنا وتدريب النفس على العادات الحسنة المقبولة، طاب نهاركم.