تزايد مخاوف رجال الأعمال الإماراتيين من اتفاقية التجارة مع أمريكا
تفاقمت مخاوف شريحة واسعة من رجال الأعمال والفعاليات الاقتصادية في الإمارات وتحفظاتهم من الآثار السلبية المحتملة لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والإمارات، خصوصا بعد أزمة صفقة موانئ دبي, حيث إن هناك هواجس حيال فتح بعض القطاعات أمام الشركات والمستثمرين الأمريكيين.
وفي محاولة للتخفيف من تلك الهواجس تعتزم لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد الإماراتية عقد اجتماع مع رجال الأعمال لبحث تطورات اتفاقية التجارة, خصوصا أن عددا منهم أبدى تحفظاته على الاتفاقية لعدم اطلاعهم على محتوياتها وتطوراتها.
وترى أوساط اقتصادية أن إبرام اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة سيكون له بلا شك آثار إيجابية على اقتصاد الإمارات كما قد يكون له في الوقت ذاته آثار سلبية.
واعتبر الشيخ خالد بن زايد بن صقر آل نهيان رئيس مجموعة بن زايد أن المستفيد الأكبر من اتفاقية التجارة الحرة بين الإمارات وأمريكا هو الأمريكان، مشيراً إلى أن الأحداث الأخيرة ستؤدي إلى وجود نوع من التحفظ على الاستثمار الإماراتي في أمريكا، ويحتم البحث عن أماكن أخرى للاستثمار. وأضاف أنه إذا لم تكن هناك فرص متكافئة للاستثمار فمن باب أولى ألا نستثمر في دولة منحازة لمصالحها فقط من دون النظر إلى مصالح الآخرين. وتساءل عن جدوى الكلام عن التجارة الحرة وتكافؤ الفرص والعديد من العقبات المشابهة من دون أن يكون هناك تطبيق حقيقي لهذه المبادئ؟
ورأى أن ما حدث من الجانب الأمريكي في صفقة "بي آند أو" يعد تحيزاً واضحاً ضد العرب، وضد الاستثمار العربي في أمريكا بشكل عام، ولا يوجد من الكلام الدبلوماسي ما يستطيع أن يغطي على هذه الحقيقة.
وتساءل لماذا نفتح أسواقنا للأمريكان في الوقت الذي يتعاملون فيه بهذا الشكل مع صفقة تعد من الصفقات الرئيسية للإمارات؟ وبالرغم من كل التطمينات التي كان يتحدث عنها الرئيس الأمريكي إلا أن الكونجرس أصر على الرفض، ووضع العراقيل أمام إتمام الصفقة، معتبراً أن ما حدث هو بمثابة "طعنة من الخلف".
من ناحيته أبدى أحمد حميد الطاير رجل الأعمال الإماراتي والوزير السابق مخاوفه حيال الاتفاقية وتحفظاته, مركزا على أنه مهما بلغت براعة المفاوض الإماراتي وحنكته فستكون الاتفاقية في النهاية لصالح الجانب الأمريكي. وأوضح أن قطاع المصارف سيكون من أكثر القطاعات عرضة للمخاطر بعد توقيع الاتفاقية.
وأكثر ما يقلق رجال الأعمال الإماراتيين أن اتفاقية التجارة الحرة مع أمريكا ستلزم الدولة بأمرين هما: المعاملة الوطنية, ويقصد بها معاملة الشركات الأمريكية معاملة الشركات المحلية الإماراتية نفسها، ومعاملة الدولة الأولى بالرعاية, وتعني معاملة الشركات الأمريكية مستوى المعاملة نفسه الذي تمنحه الدولة إلى الأطراف التي تربطها بالدولة علاقة خاصة عبر اتفاقية ثنائية أو إقليمية "شركات دول مجلس التعاون مثلاً". ويتفرع عن هذين المبدأين أمور كثيرة أهمها أن الشركات الأمريكية تستطيع أن تقدم خدماتها من مقرها في الولايات المتحدة دون أن يكون لها وجود فعلي داخل الدولة.
أما خالد بن كلبان كبير المسؤولين التنفيذيين في شركة دبي للاستثمار فبيّن أن ترتيب البيت الخليجي أهم والتفاوض بشكل جماعي عبر مجلس التعاون الخليجي أكثر جدوى وفائدة من التفاوض المنفرد، مضيفا أن الولايات المتحدة لديها مؤسسات كبيرة وقديمة وستكون الأكثر تحقيقا للمكاسب من الشركات الخليجية التي تفتقد إلي وجود التشريعات التي تحميها, ولهذا السبب يتعين أن نرتب بيتنا الخليجي قبل الدخول في مفاوضات لن تكون في صالحنا، وشدد على أهمية إدخال تعديلات جذرية في التشريعات الخليجية التي تمكن الشركات الخليجية من الصمود في وجه المنافسة التي ستكون حادة من قبل الشركات الأمريكية التي تضع عيونها على قطاعات حيوية في الاقتصاديات الخليجية مثل الطاقة، النفط، والكيماويات وستعمل على تأسيس مشاريع كبيرة ستؤثر سلبا على اقتصادنا, ومن هنا تأتي أهمية التفاوض الخليجي الجماعي حتى نعزز من المكاسب ونقلل من السلبيات.
الأمر ذاته يؤكده رجل الأعمال السعودي علي الشهري الذي يمتلك استثمارات كبيرة في الإمارات، وأضاف أن استطلاع رأي رجال الأعمال وإشراكهم في التفاوض ضروري لأنهم الأقدر والأعراف دون غيرهم من الجهات الحكومية على المخاطر التي يمكن أن تنطوي عليها مثل هذه الاتفاقيات. وذكر أن التفاوض بشكل منفرد سيقلل من قوة تفاوض كل دولة خليجية على حدة في حين أنه كان يتعين عى دول مجلس التعاون أن تتفاوض كتكتل خليجي واحد كما هو الحال بالنسبة للأوروبيين الذين يتفاوضون كاتحاد أوروبي وليس كل دول أوروبية على حدة ولذلك توقعاتنا أن يفرض الطرف الأمريكي شروطه.
وبموجب الاتفاقية سيكون من حق الشركات الأمريكية شراء وتملك الأراضي وكذلك المطالبة بالمنح التي تعطى للشركات المواطنة. كما سيكون من حق الشركات الأمريكية أن تتملك حصصاً في الشركات تزيد على نسبة 51 في المائة وهو ما يتعارض مع قانون الشركات الحالي الذي يحدد سقف ملكية الأجانب في الشركات بنسبة 49 في المائة.
ويحق للشركات الأمريكية أن تستفيد من هامش الـ 10 في المائة التي تمنحها الحكومات للشركات المواطنة في عقود التوريد والمناقصات الحكومية. كما سيحق لهذه الشركات أن تمارس الأعمال التي تكون حكراً على مواطني الدولة "العقارات مثال على ذلك".
لن تستطيع الإمارات أن تشترط قيودا أو مستلزمات معينة متعلقة بالنوعية والأداء بالنسبة للبضائع والخدمات الأمريكية. ويعني ذلك قبول معايير الجودة والأداء المطبقين في الولايات المتحدة. إضافة إلى فتح سوق المناقصات الحكومية أمام الشركات الأمريكية حتى وإن لم يوجد لها وكيل محلي في الدولة.
كما أن الاتفاقية ستفرض شروطاً معينة متعلقة بالحد الأدنى للأجور وتحسين مستوى العمالة وتحسين المستوى البيئي في الدولة مما قد يؤدي إلى زيادة تكلفة الصناعات المحلية.
ويلفت مختصون إلى أنه وعلى خلاف اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي يقدم فيها كل طرف لائحة بالمنتجات والخدمات المسموح بإدخالها دون رسوم أو جمارك، فإن اتفاقيات التجارة الحرة تفترض أن كل السلع والمنتجات والخدمات معفاة من أية قيود أو رسوم باستثناء تلك التي تطلب الدولة عدم إدراجها بمعنى أن الأصل هو فتح الأسواق ما لم تشترط الدولة المعنية خلاف ذلك بالنسبة لبضائع أو منتجات أو خدمات بعينها. كما أنه يمكن للدولة أن تؤخر إعفاء بعض السلع والمنتجات والخدمات لمدد مختلفة لا تزيد على عشر سنوات.
وترى الأوساط الاقتصادية ان هذه الأمور ستؤدي إلى قلب جميع المفاهيم التقليدية التي اعتادها قطاع الصناعة والتجارة لسنوات طويلة. فمفاهيم الرعاية، الحماية، والأولوية ستصبح من آثار الماضي وسيكون على قطاعات الصناعة والتجارة الوطنية أن تتأقلم مع الواقع الجديد الذي ستفرضه الاتفاقية وأن تعايش عالم الواقع وتنافس على أساس الكفاءة والجودة والسعر في عالم لم يعد يقبل بالحماية والرعاية.
ومن أكثر القطاعات التي ستتأثر سلبا من الاتفاقية القطاع المصرفي, فالاتفاقية ستغري البنوك الأمريكية بسوق الإمارات الواعدة بالنظر إلى النتائج القياسية التي حققها القطاع المصرفي في الدولة خلال السنوات الخمس الماضية والتي تجاوزت مثيلتها في الولايات المتحدة، وبالتالي فإن هذه النتائج ستجعل القطاع المصرفي في الإمارات مطمعاً للبنوك الأمريكية، خصوصا أن المعدلات المرتفعة للعائد على الأصول والعائد على حقوق المساهمين، في موازاة معدل مرتفع للعائد على القروض المتعثرة كلها ستجعل من القطاع المصرفي في الإمارات مطمعاً للبنوك الأمريكية. وقد تسعى تلك الأخيرة إلى دخول سوق الإمارات للاستحواذ على حصة من معدلات الأرباح المرتفعة.
ويرى البعض أن مقابل تلك السلبيات هناك مكاسب لا يجوز إهمالها فمن شأن الاتفاقية أن تؤدي إلى تقوية الروابط الاقتصادية بين الإمارات والولايات المتحدة. ولا شك أن ربط أي اقتصاد في العالم باقتصاد بحجم اقتصاد الولايات المتحدة الذي يعد أكبر اقتصاد في العالم سيؤدي إلى مضاعفة حجم اقتصاد ذلك البلد وتقويته.
ويشكل فتح الأسواق الأمريكية أمام الصادرات الإماراتية ميزة للصناعات الإماراتية التي سيتاح لها الدخول بحرية إلى أحد أكبر أسواق العالم. ويمكن لبعض الصناعات الوطنية المهمة كالبتروكيماويات والألمونيوم أن يشكل فتح هذه السوق لهما مدخلاً لتعظيم الإنتاج في هذين القطاعين المهمين.
ويتوقع أن تزيد الصادرات من الإمارات إلى الولايات المتحدة بمعدل 10 في المائة على الأقل وأن تزيد الواردات من الولايات المتحدة إلى الإمارات بمعدل 23.2 في المائة أي أن إجمالي التجارة سوف يرتفع بمعدل 19.4 في المائة.
وفي كل الأحوال ترى الأوساط الاقتصادية أن المفاوض الإماراتي أمام مهمة شاقة وعسيرة ولكنها غير مستحيلة. ويجب عليه أن يأخذ في الاعتبار الأمور في ضوء أزمة صفقة موانئ دبي.