الحاجة إلى بنوك في المناطق
أحد رموز النجاح في المملكة أتى من خلال التطور والفاعلية في صناعة وهيكل القطاع المصرفي على مدى العقود الثلاثة الماضية، وكان ذلك مهماً، خاصة أن القطاع المصرفي كان ولا يزال مثالا جيدا يُحتذى به لأركان النظام المالي الأخرى مثل التأمين والشركات الاستثمارية المالية (التي لا تزال تحاول إيجاد الحجم والصيغة المناسبة). الجديد أن المرحلة الاقتصادية تغيّرت. فهناك زيادة سكانية في المناطق الرئيسية الأخرى في البلاد، وهناك تطور تعليمي وفني واقتصادي في هذه المناطق، ولذلك حان الوقت لاكتمال المنظومة التنموية بتأسيس بنوك مصرفية كاملة في المناطق الأخرى. هذا الاقتراح يتماشى مع خطة المملكة لتنمية المناطق، وذلك بالعمل على إيجاد قاعدة ائتمانية قادرة على التعامل والتفاعل مباشرة مع الشركات المحلية في المناطق والمساعدة على إيجاد وظائف مجزية.
كان لوزارة المالية، ممثلة بصندوق الاستثمارات العامة، دور مباشر في تأسيس بنك الإنماء، وحان الوقت لتأسيس بنوك إنماء تجارية في المنطقة الشرقية والجنوبية والمدينة والشمالية والقصيم. تقوم الوزارة مع التأمينات والتقاعد بدفع 40 في المائة من رأس المال ويطرح الباقي للمساهمين بأفضلية لسكان المناطق قدر الإمكان، على ألا يقل رأس مال كل بنك عن ملياري ريال.
أصبح لدى مؤسسة النقد تجربة وخبرة رقابية مصرفية للوقوف على حالة القطاع المصرفي، ولذلك فإن هذه المصارف الخمسة الجديدة لن تكون زيادة ثقيلة، ولأن رأس مالها كبير نسبيا فهي سوف تستطيع الاستثمار في التقنية والطاقات البشرية والتدريب بما يكفل نجاحها كمؤسسات تجارية بحتة وقادرة على تطوير المناطق اقتصاديا من خلال توفير الخبرة المالية مناطقيا وتوفير التمويل اللازم لشركات قد تكون صغيرة ومتوسطة وبعيدة عن المراكز المالية الكبيرة في الرياض وجدة. فعدم وجود هذه المقومات فنيا وماليا يفقد الشركات والمؤسسات العائلية في هذه المناطق فرصة للنمو والمساهمة في اقتصاد المملكة.
قد يقول قائل إن لدى البنوك فروعا وحتى إدارات إقليمية في هذه المناطق وإن سهولة نقل المعلومات تقلل من الحاجة إلى وجود مصرفي كامل في هذه المناطق. هذه حجة واهية من عدة نواح. أولا، أن تركيز المصارف في المناطق هو على تجميع الودائع وليس العمل المصرفي الأساسي. وثانيا، يصعب على مؤسسات عائلية وشركات صغيرة التواصل جغرافيا وبشريا مع من لديه المعرفة أو القرار الائتماني في المصارف، بما في ذلك من أهمية للوجود الجغرافي. وثالثا، أن للوجود المصرفي الفعلي المقصود دورا تنمويا مباشرا، وخاصة الحاجة إلى توسع الطاقة الائتمانية في المملكة، وهذه سوف تساعد ولو بجزء بسيط في هذا الاتجاه. نظرا لهذه الأسباب فإن هناك حاجة إلى تأسيس هذه المصارف وبدور حكومي مباشر، فدون قيادة حكومية لن تؤسس هذه المصارف.
أحد إفرازات الأزمة المالية العالمية الحالية وتحديدا في القطاع المصرفي برز من خلال ذلك الفصل غير الصحي بين الإيداع والإقراض المباشر جغرافيا (فقدان العلاقة المباشرة بين البنك والمقترض). تذكر بعض الدراسات التنموية أن المصارف الصغيرة نسبيا أفضل في التركيز على الواقع المحلي. فعلى سبيل المثال سوف يكون هذا أكثر علاقة بتمويل القطاع الإسكاني، خاصة الذي يتطلب معرفة محلية مباشرة في ظل توجه المملكة إلى إقرار نظام الرهن العقاري والمنظومة القضائية التي سوف تساعد على خدمة الفعاليات الاقتصادية من أجل تطوير المملكة.