رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مستقبل المالية الإسلامية.. في ظل الجدل حول مشروعيتها

المالية الإسلامية اليوم أصبحت رقما لا يستهان به في الاقتصاد العالمي، فبعد النمو الكبير الذي شهدته خلال الفترة القصيرة لنشأتها، أصبحت حديث الماليين في الشرق والغرب، بل حتى على المستوى السياسي أخذت نصيبا لا بأس به من الاهتمام، خصوصا أنه وبعد الأزمة المالية العالمية، والتي من شأنها أن تعوق نمو المالية الإسلامية المتوالي، إلا أن الواقع خالف ذلك تماما، حيث إن بعض التقارير ذكرت أن أصول المالية الإسلامية نمت خلال العام الماضي في حدود 28 في المائة، ويتوقع التقرير أن يقفز حجم المالية الإسلامية خلال عام إلى ما يزيد على التريليون دولار، في ظل التدفق الكبير للسيولة على هذا القطاع، الذي يرى فيه البعض أنه خيار أفضل من الأدوات المالية التقليدية.
ولكن في ظل هذا النمو الكبير لحجم المالية الإسلامية، إلا أن هناك تشكيكا في إمكانية صمود هذه الصناعة، من زوايا مختلفة لعل أكثرها أهمية هو السؤال الذي يترد كثيرا وهو هل المالية الإسلامية فعلا إسلامية أو بمعنى آخر هل متوافقة مع أحكام الشريعة.
في ورشة العمل التي انعقدت في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، التي تم تغطيتها من قبل صحيفة “الاقتصادية” بتاريخ 9/1/1431هـ، شهدت هذه الورشة أطروحات متميزة فيما يتعلق بمستقبل المصرفية الإسلامية في ظل المتغيرات في الاقتصاد العالمي. وشهدت مشاركة من عديد من الخبراء، ولعل أبرز الأطروحات التي قدمت في هذه الورشة ورغم أن أغلب المشاركين متفقون على أن هناك ممارسات لمؤسسات تقدم الأدوات المالية الإسلامية لا تتوافق مع الشريعة، إلا أن الرؤى تباينت في إمكانية أن يكون هناك مالية إسلامية فعلا على أرض الواقع، تنشأ في بيئة بنيت على أساس المالية التقليدية التي تعتمد الفائدة أساسا للإقراض، وليس ذلك فقط، بل النظام المالي العالمي الحالي تجاوز مسألة الإقراض بفائدة، والذي ينشأ منه التزامات أكبر من ناتج الاقتصاد الحقيقي العالمي، إلى ما يسمى بالمشتقات المالية والتي أصبحت تأخذ أشكالا متعددة، نشأ عنها كم ضخم من الديون والالتزامات التي كانت سببا للأزمة المالية العالمية.
وكون المالية الإسلامية تنشأ في مثل هذه البيئة يعني بالضرورة أنها لا بد أن تساير هذا التيار، وبناء عليه، فإن هناك من يرى أنه لا يمكن فعليا أن يكون هناك إمكانية لأسلمة البنوك، كما هو الحال تماما في الخمر مثلا، حيث لا يمكن إطلاقا أن يكون بأي حال من الأحوال حلالا.
والحقيقة أن هناك أمورا مهمة لا بد من النظر فيها بتمعن عند الحديث عن مثل هذا الموضوع.
وذلك أن النظرة الإسلامية للمعاملات ومن خلال قراءة تاريخية وفقهية، فإنه لا يوجد تفاصيل فيما ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمعاملات يلزم على المسلم ألا يتعامل بغيرها، بل إن الإسلام أقر كثيرا من المعاملات، والتي تطورت مع تطور حياة الإنسان، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقر البيع، وأقر بيوعا بعينها مثل بيع السلم، حيث قدم إلى المدينة ووجد الناس يسلفون – أي يتعاملون بعقد السلم والذي يعني أن يكون الثمن حاضرا في مجلس العقد والسلعة تسلم في المستقبل وهو عكس البيع المؤجل والذي من صوره بيع التقسيط - السنة والسنتين فأقر ذلك وقال: “من أسف في شيء فليأسف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم”، ومثل هذا الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوضح أمرا مهما وهو أن الإسلام ينظر إلى المعاملات المالية على أن الأصل فيها الإباحة، ولكن وضع أشبه بالمعايير والتعاليم والضوابط التي تحكم مثل هذه المعاملات بغرض حفظ الحقوق وتحقيق العدالة، ومنع الأضرار بالآخرين، ومنع ما يؤول إلى عدم رضا أطراف العقد، ويحدث النزاع بينهم، وهذا يعد واحدا مما امتاز به هذا الدين والذي كما قال تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان ....” الآية (النحل: 90).
وبناء عليه، فإن مسألة كون النظام المالي العالمي يوجد به خلل وتجاوزات وأمور محرمة، لا يعني بالضرورة أن ذلك هو الطابع العام لجميع المعاملات، ولا يعني إطلاقا أن جميع المعاملات المحرمة لا يمكن إصلاحها بل إنه من الممكن في بعض المعاملات أن يتم تغيير جزئي في هيكلها وإجراءاتها لتكون متوافقة مع الشريعة.
وفي الوقت نفسه، فإن التغيير الشكلي للمعاملات المحرمة، لا يعني بالضرورة إباحتها، وهذا يؤكده مثلا نظرة جمهور الفقهاء لعقد مثل بيع العينة، حيث إن هيكل المعاملة لا يعدو أن يكون بيعا تتوافر فيه أركان وشروط البيع المباح، ولكنه في واقع الحال من الممكن أن يكون وسيلة للمرابين لاتخاذه للوصول إلى الإقراض بربا. وينبغي الأخذ في الحسبان أن بعض الممارسات الخاطئة للمؤسسات المالية الإسلامية لا يعني بالضرورة أن تتحملها المالية الإسلامية، فقد تتم ممارسة معاملة جائزة شرعا في الإطار الذي وضعه الفقهاء، ولكن في واقع الحال وعند سوء تطبيقها، سواء كان ذلك مقصودا أو غير مقصود تجد أنها فعلا لا تمارس بالشكل الصحيح. ووجود مثل هذه الحالات لا يعني بالضرورة فشل مفهوم المالية من منظور إسلامي. إذ إن البحوث والدراسات والنقد الهادف، وتقييم التجربة المستمر من قبل الخبراء قد يكون كفيلا ـ بإذن الله ـ في علاج مثل هذه الأخطاء، والاستمرار الدوري في التصحيح.
الأمر الثاني هو أن المالية الإسلامية أصبحت اليوم واقعا ينمو بوتيرة أسرع مما هو متوقع، كما أنها مطلبا عاما للمسلمين والذين يمتنعون تماما عن التعامل مع النموذج التقليدي، وهذه الشريحة من المهم أن يكون لها فرصة للتمويل، خصوصا في ظل حاجتها إلى فرص الاستثمار والحصول على حاجياتها الضرورية.
كما أن ارتفاع سعر النفط وتدفق السيولة إلى المنطقة الخليجية وتحسن الأوضاع الاقتصادية في المنطقة تجعل هناك أهمية للاستفادة من هذه الفرصة لتوفير أدوات تمويلية واستثمارية تدعم حركة التنمية المستدامة في المنطقة وفق إطار مباح شرعا، يقبله ويستفيد منه كثير من المسلمين والعالم.
ولذلك ينبغي أن تكون هناك نظرة أكثر إيجابية للمالية الإسلامية، والاستفادة من هذا الاهتمام العالمي، للمطالبة بتهيئة البيئة المناسبة لعمل مثل هذه المؤسسات، سواء على مستوى المؤسسات الدولية، أو مستوى الدول، سواء كانت الإسلامية أو غيرها. كما ينبغي العناية والاهتمام بمعايير الجودة الشرعية لمنتجات وخدمات المؤسسات المالية الإسلامية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي