رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ضرورة إيجاد جهاز لمكافحة الاحتكار

رفعت أخيرا شركات المشروبات الغازية من أسعار منتجاتها بنسبة 50 في المائة، وكانت تحوم شائعات منذ العام الماضي عن عزم تلك الشركات رفع أسعارها بنسبة 100 في المائة، ولكن الأزمة المالية العالمية والتباطؤ الاقتصادي العالمي الذي أثر في قدرات المستهلكين وخفض من تكاليف مدخلات تلك الشركات أجبرها على تأخير قرار رفع الأسعار لمدة عام، وخفض من حجم الزيادة إلى النصف. وقد تحاول تلك الشركات رفع الأسعار مرةً أخرى بعد فترة وجيزة من الزمن. ومرور قرار رفع الأسعار (المبالغ فيه) بسلام من قبل المستهلكين والجهات الرسمية سيشجع شركات المشروبات الغازية على رفع أسعارها مرةً أخرى. فهل من حق شركات المشروبات الغازية رفع الأسعار دون رقيب ولا حسيب؟ أم أن على الجهات المسؤولة تحديد الأسعار؟
ولا تمارس دول العالم في العادة تحديد أو تثبيت الأسعار إلا في حالات محدودة ومعينة. فتثبيت الأسعار يؤدي إلى تشوهات كبيرة في الاقتصاد أهمها الشح في المعروض من السلع ورداءة نوعيتها. وقد أثبتت تجارب دول العالم وأهمها الدول التي كانت خاضعة للنفوذ الاشتراكي في القرن الماضي فشل سياسات التحكم في الأسعار. ويسَمح للأسعار بحرية التغير لعكس متغيرات العرض والطلب وخصوصاً في حالة وجود سوق تنافسية أو على الأصح شبه تنافسية. ومن المعروف استحالة وجود سوق تنافسية كاملة على أرض الواقع، ولكن كثرة المنتجين والمستهلكين وغياب اتفاقيات التحكم في الأسعار بين المنتجين أو حتى المستهلكين يوفر سوقاً شبه تنافسية. وتعكس الأسعار في حالة السوق التنافسية تكاليف الإنتاج ومعدل معقول ومقبول من الأرباح للمنتجين. أما في حالة وجود عدد قليل من المنتجين أو إبرامهم والتزامهم باتفاقيات التحكم بالأسعار فإن هذا يولد قوى وممارسات احتكارية تلزم الجهات الحكومية بالتدخل والحد منها. ومن المعروف أن الممارسات الاحتكارية تتحكم بالأسعار أو الكميات المعروضة مما يؤدي إلى رفع الأسعار فوق مستويات المنافسة وينقل الدخول من المستهلكين إلى المنتجين.
ومن المعروف أيضاً أن صناعة المشروبات الغازية في المملكة وعدد كبير من دول العالم تسيطر عليها شركتان فقط هما بيبسي كولا وكوكا كولا. ووجود منتجين فقط للمشروبات الغازية يمكنهما من تملك قدرات احتكارية تجعلهما قادرتين على التحكم في الأسعار (المحتكر يستطيع التحكم بالسعر أو الكمية ولكنه لا يستطيع التحكم فيهما معاً). ووجود قوى احتكارية في هذه السوق يلزم الجهات الحكومية المعنية بالتحقيق في دواعي رفع أسعار منتجاتهما، ويلزم الشركتين بتوفير أسباب مقنعة لرفع الأسعار وخصوصاً أن منتجات هاتين الشركتين أصبحت من السلع الأساسية لمعظم الناس.
وتجدر الإشارة إلى أن شركات الألبان رفعت أسعارها في العام السابق بدعاوى شركات المشروبات الغازية نفسها المتمثلة في ارتفاع تكاليف المدخلات. وحققت شركات الألبان الوطنية أرباحا قوية في العام السابق وعلى الرغم من التباطؤ الاقتصادي العالمي مما يدل على وجود قوى احتكارية أو اتفاق بين المنتجين للتحكم في الأسعار في هذه السوق أيضاً. ولا تتوقف الممارسات الاحتكارية على أسواق الألبان أو المشروبات الغازية بل إنها منتشرة في عدد كبير من القطاعات. وتساعد أنظمة الوكالات الحصرية في إيجاد ممارسات احتكارية لكثير من المنتجات المستوردة، وقد تمارس بعض الشركات المحلية الكبرى ممارسات احتكارية بسبب سيطرتها على جزء كبير من الأسواق. ولهذا ينبغي تأسيس جهاز مستقل ومتخصص في الممارسات الاحتكارية للحد من التجاوزات التي يقوم بها المحتكرون أو الذين يتمتعون بقوى احتكارية. وتعطي دول العالم المتقدمة لأجهزة مكافحة الاحتكار سلطات التحقيق بوجود ممارسات احتكارية، وتحديد حجم الأضرار المترتبة على هذه الممارسات، وملاحقة ممارسي الاحتكار، واتخاذ القرارات المناسبة للتصدي لهذه الممارسات، بما في ذلك قرارات تفكيك أو تفتيت الاحتكارات وإيقاع العقوبات المالية المناسبة للحد من آثارها السيئة.
ووجود أجهزة حكومية متخصصة في الاحتكار لا يلغي دور المستهلكين في التصدي للممارسات الاحتكارية، وذلك من خلال ترشيد الاستهلاك والحد من شراء منتجات الشركات الجشعة التي ترفع الأسعار دون مبررات مقنعة. فالكل يعلم أننا نستهلك كميات ضخمة من المشروبات الغازية مع علمنا المسبق بأضرار الإسراف في تناولها على صحتنا وصحة أطفالنا على وجه التحديد، والذي أثبتته الدراسات العلمية في الدول المصنعة لهذه المشروبات. ومن الصعب مناداة المستهلكين بالتوقف عن استهلاك تلك المنتجات ولكن يمكن حثهم على الترشيد في استهلاكها قدر المستطاع. وسيؤدي ترشيد الاستهلاك إلى إرسال رسالة قوية إلى الشركات الرافعة للأسعار بخطأ قرار رفع الأسعار خصوصاً إذا استطاع معظم المستهلكين خفض مستويات طلبهم من هذه السلع إلى المستويات غير الضارة بالصحة. ولو تم هذا فإن شركات المشروبات الغازية ستعود إلى خفض الأسعار إلى مستوياتها السابقة أو حتى أقل مما كانت عليه. ويتحمل المستهلكون مسؤولية التحرك للرد على ما يرونه تجاوزات في رفع الأسعار من خلال خفض طلبهم من هذه السلع، وإذا لم يفعلوا فإن مناداتهم للجهات المسؤولة بمنع رفع الأسعار أمر غير منطقي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي