استراتيجية وطنية لتطوير الميزات التفضيلية

لكل بلد ما يميزه ويجعله يتفوق على البلدان الأخرى في إنتاج سلع وخدمات معينة، هذا التنافس يكون حتى بين المناطق والمدن في داخل الدولة الواحدة. التميز يأتي من توافر الإمكانات المادية والبشرية, والأهم التنمية المعرفية والقدرات البحثية والتطويرية في مجال اقتصادي محدد. ولأنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يبدع ويتميز بلد ما في جميع المجالات، كان على كل بلد إذا ما أراد النجاح والتميز، التخصص في صناعة أو مجموعة صناعات مترابطة. هذه التخصصية تبنى عبر الأجيال وبخبرة السنين المتراكمة وبتركيز شديد لتتكون ثقافة وبناء للمعرفة التخصصية في مجالات إنتاج تكون جزءا من الثقافة المجتمعية. الدول الأكثر قدرة على توثيق تجربتها وتطويرها تكون أكثر قدرة على المنافسة الدولية والتميز في المنتج والجودة والسعر. هناك أمثلة كثيرة لبلدان عرفت بتميزها واشتهرت بصناعات تكاد تحتكرها، فهذه سويسرا تشتهر بصناعة الساعات، وديترويت الأمريكية بصناعة السيارات، واليابان بالتقنيات الدقيقة, وجزر الكاريبي بالسياحة، وهكذا كل دولة تحسن ما تتخصص فيه من صناعة. وعند محاولة التعرف على الميزات التفضيلية والتنافسية للسعودية تبرز ثلاثة مجالات أساسية هي: الخدمات والدراسات الإسلامية، تقنية تحلية المياه، والصناعات البترولية. السعودية استطاعت بحكم تطبيقها الشريعة الإسلامية والدعم الحكومي السخي على الدراسات الإسلامية قطع شوط كبير في التعليم العالي في مجال الدراسات الإسلامية وتمكنت من إنشاء جامعات ومعاهد متخصصة مثل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والجامعة الإسلامية والمعاهد العلمية ومركز بحوث الحج وتمويل مشاريع بحثية وطباعة الكتب والدراسات وجعلها في متناول الدارسين وطلاب العلم، هذا إضافة إلى المنشآت والمشاريع المعمارية في الحرمين الشريفين . لقد تكونت خبرة ممتازة نتج عنها تطوير المشاعر المقدسة ووضع حلول ناجعة سهلت أداء فريضة الحج. هذا التميز في مجال الدراسات الإسلامية وخدمات الدعوة والإرشاد يتطلب أن يكون إحدى ركائز خطط التنمية وهدفا وطنيا استراتيجيا يحتاج إلى مزيد من الدعم والتطوير ليكون أكثر قدرة على اجتذاب الراغبين في الحصول على العلم الشرعي من جميع أقطار العالم. الفائدة المرجوة هي بطبيعة الحال نشر الدين الإسلامي بمنهجه الوسطي الصحيح الخالي من الخزعبلات والبدع والمستحدثات، لكن هناك ثمة فوائد أخرى مصاحبة منها التعريف بالثقافة السعودية وزيادة عدد الزوار والتواصل مع العالم الخارجي وتوثيق الصلاة مع العالم الإسلامي. المجال الثاني الذي تمتلك فيه السعودية خبرة ومعرفة عميقة هو تحلية المياه, فالسعودية من أكثر البلدان اعتمادا على تحلية مياه البحر، أنفقت أموالا طائلة في إنشاء عدد كبير من المحطات على الخليج العربي والبحر الأحمر . خبرة السعودية في مجال التحلية تمتد إلى أكثر من ثلاثة عقود, ويفترض أنه تكونت الآن خبرة ومعرفة ودراية تمكننا من ابتكار طرق وأساليب جديدة في تحلية المياه المالحة. من المهم بعد هذه التجربة والخبرة الطويلة أن يصبح لدينا توثيق للتجربة وأنا تعلمنا كثيرا فيما يصلح ولا يصلح وامتلكنا إجابة عن كثير من التساؤلات حول المشكلات والعوائق والفرص والإمكانات في عملية التحلية. وبهذا تكون التحلية ركيزة أساسية في عملية التنمية ليس للخبرة التي بنيناها عبر السنين والمعرفة العميقة والتطبيقية ولكن كون المياه تمثل عنصرا أساسيا في الأمن الوطني في بلد تشح فيه مصادر المياه ويمثل سلعة استراتيجية تؤثر في التنمية الوطنية واستدامتها.المجال الثالث هو الصناعات البترولية, وهنا لا بد من الإشادة بما تم إما عبر ''أرامكو السعودية'' وإما من خلال الهيئة السعودية للصناعات الأساسية (سابك). فقد تم تطوير كثير من الخبرات والمعارف والاستفادة من التجارب والخبرات الأجنبية وتوطينها بالعمل على توثيق التجربة والبناء التراكمي للخبرات. هل هناك مساحة للتطوير؟ أعتقد ذلك، فهناك ضرورة لتعميم التجربة لتشمل الجامعات ومراكز البحوث والدراسات, كما يجب أن تكون هناك شراكات مع مؤسسات القطاع العام. لم يعد ممكنا تصور قطاع البترول منفصلا عن جهود التنمية الأخرى.
هذه المرتكزات الثلاثة الأساسية للتنمية الوطنية ترسم خريطة الطريق للمستقبل وتحتم تركيز الإنفاق الحكومي لخلق مزيد من التميز بحيث لا يستطيع الآخرون منافستنا ومجاراتنا في هذا المجال. أتمنى أن أرى اليوم الذي يدعى فيه الخبراء السعوديون في مجال الدراسات الإسلامية وفي تحلية المياه وفي إنتاج البترول لطرح أفكارهم ومساعدة الآخرين على تطوير قدراتهم الذاتية في هذه المجالات. إن التوجه نحو تنمية هذه المجالات وتطويرها يمنحنا قدرة أكبر على تركيز جهودنا وتسخير الإمكانات الوطنية نحو الارتقاء بها للوصول إلى مستوى لا يستطيعه غيرنا.
وفي ظل العولمة والتجارة الحرة والتنافس العالمي الشديد يصبح التخصص وإنتاج سلع وخدمات مميزة أمرا جوهريا ولازما في التنمية الوطنية والتطلع نحو حجز مكان مرموق بين الأمم. كل دولة تسعى سعيا حثيثا إلى تسويق نفسها في مجال متخصص يمكنها من القدرة على التنافس. لقد زادت وتيرة التغيير وتباينت أنماط الاستهلاك والتفضيل لدى المستهلكين وكان لا بد من مجاراتهم في تلبية متطلباتهم كما ونوعا وجودة وتكلفة, وهذا لا يتأتى إلا من خلال إتقان صناعة بعينها. لقد أصبح العالم قرية صغيرة بفضل تقنية المعلومات ولم يعد البعد المكاني يمثل عائقا في التعرف على ما لدى الآخرين، ما يزيد من حدة المنافسة ويجعلنا نفكر بجدية في تطوير ما نحسنه والارتقاء به إلى مستويات أعلى من الجودة لنكون الوحيدين القادرين على إنتاجه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي