3 عوائق رئيسية تفاقم الأزمة الإسكانية
تقتص فاتورة المنزل المستأجر أكثر من 35 في المائة من إجمالي الدخل للعائلة السعودية وهو ما يهدد استقرار العوائل السعودية في ظل تفاقم تبعات الأزمة العقارية التي أطبقت على السعوديين خلال الأعوام الماضية.
وخلال التحقيق الذي يأتي لسبر أغوار قضية السكن يكشف لـ "الاقتصادية" علي العماش أمين الغرفة التجارية الصناعية في حائل ومنصور بن سليمان الغسلان عضو مجلس إدارة الغرفة رئيس اللجنة العقارية وعبد الله بن فهد العفران مستثمر عقاري عن عدد من القضايا المهمة في قضية المسكن، حيث اتفقوا على أن حائل مثل بقية مناطق المملكة تواجه أزمة إسكانية بسبب ثلاثة عوائق هي ضعف التمويل وشح المنح وقلة شركات التطوير العقاري.
كشف العماش أن عدداً من الدراسات أشارت إلى أن الإنفاق على السكن يمثل نسبة 35 في المائة من إجمالي دخل العائلة، وفي حال تم تأمين السكن بشكل ميسر، فستوجه هذه الزيادة إلى الإنفاق على السلع والخدمات الأخرى مما يعني ارتفاع غير مباشر في متوسط دخل العائلة الأمر الذي يسهم في زيادة الإنفاق على التعليم والصحة والترفيه والخدمات الأخرى مما يؤدي إلى الحد من مشكلة الفقر ويزيد من عدد الطبقة المتوسطة في المجتمع وهو الأمر الذي تسعى للوصول إليه الأجهزة التخطيطية في الدولة.
الاحتياج الإسكاني
وأضاف العماش أن عدداً من الدراسات أكدت أن منطقة حائل بحاجة إلى ما يقارب 2500 وحدة سكنية سنوياً لمواجهة زيادة الطلب على قطاع السكن، وذلك نسبة إلى الزيادة السكانية حسب معدلها الطبيعي والذي يقارب 3 في المائة سنوياً، إضافة إلى أن فئة الشباب تمثل الفئة السنية العظمى من الهرم السكاني في الدولة، كما أن زيادة الإنفاق الحكومي على مشاريع البنية التحتية في المنطقة من تعليم وصحة وطرق أسهمت في زيادة الهجرة إلى مدينة حائل من القرى المجاورة مما أسهم كذلك في زيادة الطلب على الوحدات السكنية وتواجه هذه الزيادة في الكمية المطلوبة نقصاً ملاحظاً في الكمية المعروضة من الوحدات السكنية.
#2#
أسباب الأزمة
وأضاف علي العماش ''لابد من الاعتراف بوجود مشكلة وأزمة سكن في المنطقة وعلى مستوى المملكة عموماً ويمكن تحديد أهم أسباب ذلك بعدد من المحاور المهمة يأتي في مقدمتها انخفاض معدل توزيع أراضي المنح في حائل، تشريعات صندوق التنمية العقاري وحجم تمويله، انخفاض متوسط دخل الفرد، مشكلة المحاكاة في تصاميم غير اقتصادية، المبالغة في مكاسب البنوك الممولة للإسكان، تدني دور شركات التطوير العقاري، كل هذه الأسباب أدت مجتمعة إلى خلق هذه المشكلة. وأشار العماش إلى أنه يجب معالجة هذه الأسباب بشكل جدي وإيجاد الحلول المناسبة والموضوعية لها، حيث تنتج عن هذه الأزمة آثار اقتصادية واجتماعية سلبية كبيرة، فقد رأينا خلال فترة ما يسمى (بالطفرة) زيادة في منح القروض السكنية من صندوق التنمية العقاري وزيادة في تخطيط وتوزيع أراضي المنح، مما زاد بشكل فاعل من حجم الطبقة المتوسطة في المجتمع وانخفاض كبير في الطبقة الفقيرة وما نتج عنه من إيجابيات عديدة كما أن الإنفاق الحكومي السخي في تلك الفترة أسهم في تنمية المجتمع أكثر مما أسهم به صندوق التنمية الصناعي والزراعي مجتمعة، وننتظر من هيئة الإسكان القيام بمهامها وواجباتها لوضع استراتيجية لمعالجة مشكلة الإسكان المتفاقمة والتي إن استمرت على هذا المنوال سيكون لها تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية كما أنه أصبح من الضرورة تغيير سياسات الإقراض والتحصيل ومعايير البناء التي ينتهجها صندوق التنمية العقاري لمواجهة التغير الكبير في عدد وقدرة وأذواق المستهلكين.
#3#
افتقاد التخطيط
وأبان منصور الغسلان أن عدم وجود آلية معينة تتناسب مع حاجة المستفيد من المسكن، إضافة إلى تباين مساحات القطع السكنية التي تمنحها الأمانات والبلديات ومنح مواطنين من ذوي الدخل المحدود لقطع تصل مساحتها إلى ألف متر مربع يشكل عبئاً مالياً كبيراً على المواطن أضف إلى ذلك أن بعض المنح أو المخططات الحكومية لا تتوافر فيها البنية التحتية من سلفتة وإنارة وكهرباء وماء وهاتف وهذا يقلل من الاستفادة من أراضي المنح ويزيد من جعلها عاملاً إيجابياً في تفاقم الأزمة واتساع دائرتها على النحو الذي نشاهده حاليا.
وشاطره الرأي عبد الله العفران مستثمر عقاري حيث حمل البلديات جزءا من المسؤولية، حيث أكد أن البلديات أثرت بشكل سلبي في الأزمة من خلال وجود مئات الآلاف على قوائم منح الأراضي على مستوى البلاد معتبرا أن قلة توزيع الأراضي أسهمت في وجود فجوة كبيرة وهو ما ساعد على ارتفاع أسعار الأراضي بشكل مبالغ فيه.وأضاف العفران أن الإجراءات البيروقراطية التي تنتهجها الأمانات والبلديات في إفراغ صكوك أراضي المنح لها دور كبير في الأزمة من خلال أن إجراءات المنح وخاصة في حائل تأخذ وقتا طويلا قبل أن يتسلم المواطن أرضه قد تستغرق في بعض الأحيان من ثمانية أشهر إلى سنة كاملة وهو ما حدث في توزيع المخططات الجديدة.
وأشار خلال حديثه إلى أن أمانات وبلديات المناطق وخاصة حائل لديها مساحات شاسعة وقطع سكنية داخل المخططات القائمة حاليا لم توزع فالسؤال: لماذا لم توزع هذه القطع السكنية على المواطنين ولماذا بقيت على هذا الحال منذ عشرات السنين أم أن الأمر يعود إلى خلل داخل الأمانات.
وشدد الغسلان على أن أزمة السكن لن تجد لها حلا ما لم تتضافر جهود الجهات المعنية في تحديد أسعار وحدات سكنية اقتصادية تتناسب مع قيمة القرض وتسليم قيمتها الإجمالية مع أراضي المنح لشركات عقارية سواء محلية أو أجنبية لبنائها وفق مخططات خاصة عالية الجودة تقوم بتشييدها تلك الشركات على أن يتسلم المواطن مسكنه وفق أعلى المواصفات والمقاييس.
وحمل عبد الله العفران الصندوق العقاري دورا كبيرا في تفاقم الأزمة من خلال قلة ضخ القروض على المواطنين طوال السنوات الماضية وقال''الأخطاء التي وقع فيها الصندوق العقاري خلال السنوات الماضية أضرت بمصالح المواطنين الراغبين في امتلاك منازل لعدم جديته في تحصيل قروضه الشهرية والذي انعكس بالتالي على قلة القروض السكنية الممنوحة للمواطنين''، وأبان أن قوائم الانتظار في الصندوق العقاري وصلت إلى أعداد كبيرة جدا جراء الأخطاء التي وقع فيها الصندوق وهو ما ستنعكس آثاره السلبية على الأجيال القادمة''.
وقال منصور الغسلان للحد من ظاهرة امتلاك أعداد كبيرة من الأراضي البيضاء من قبل تجار العقار يجب إيجاد صناديق تمويل تقوم برهن تلك الأراضي مقابل إعطاء التاجر قرضاً لبناء الأراضي ومن ثم يقوم ببيعها على المواطنين، مشيرا إلى أن ذلك يقلل من المساحات الخالية في المخططات السكنية وتشجع التاجر العقاري على استثمار ما يملكه من أراض بما يخدم المصلحة العامة.
#4#
فك الاحتكار
وأوضح العفران أن احتكار التجار وكبار العقاريين للأراضي البيضاء والمغالاة في الأسعار أسهم بشكل مباشر في نشوء الأزمة وتفاقمها خلال السنوات الأخيرة نتيجة للانفجار السكني الذي تشهده البلاد مطالبا في الوقت نفسه بسن قوانين وضوابط تمنع من احتكار أعداد كبيرة من الأراضي السكنية لشخص واحد لإتاحة الفرصة للمواطنين وخاصة فئة الشباب بامتلاك أراض ومن ثم البدء في تحقيق حلم المسكن.
وأشار العماش إلى أن أسعار الأراضي كغيرها من أسعار السلع والخدمات تتحكم فيها قوى العرض والطلب، وبما أن الأراضي والوحدات السكنية سلعة ونظراً لانخفاض معدل توزيع أراضي المنح الحكومية عموماً، فإن ذلك ساهم مساهمة فاعلة في الارتفاع المطرد لأسعار الأراضي السكنية وأسعار الوحدات السكنية، ولم تنخفض هذه الأسعار خلال الأزمة الاقتصادية الحالية والتي ربما نعيش في وقتها الأخير، وذلك لعاملين رئيسيين هما أن الدول النفطية ومنها المملكة لم تتأثر كثيراً بهذه الأزمة نظراً للوفورات المحققة من أسعار البترول والثاني لكون الأراضي سلعة منخفضة المرونة أي لا ينخفض سعرها بشكل متناسب مع انخفاض الطلب عليها.
أوضح الغسلان أن تحديد أسعار العقارات السكنية ما يحددها هو أسعار مواد البناء إضافة إلى وجود بعض المشاريع الكبيرة القريبة من بعض المخططات التي ترفع سعر الأرض، أضف إلى ذلك ارتفاع وزيادة التكلفة للبنية التحتية للمخططات الأهلية مما ينعكس ذلك بشكل سلبي على ارتفاع أسعار أراضي المخططات الأهلية والمساكن التي تبنى عليها. وأشار العفران إلى أن العرض والطلب للعقارات هو ما يحدد السعر سواء للأرض السكنية أو للمسكن وشدد على أن الأزمة في الأصل لم يوجد لها حلول وأضاف: إن وجدت الحلول فلم تطبق على أرض الواقع.
مساكن اقتصادية التكلفة
وأبان الغسلان أن غياب فاتورة البناء بالنسبة للمواطن وعدم معرفته بخبايا المقاولين والتكلفة الإجمالية الحقيقية للمسكن لن تنتهي إلا بإيجاد شركات كبيرة محلية متخصصة في بناء المساكن ذات التكلفة الاقتصادية المعقولة لتتحالف مع شركات أجنبية شريطة أن تمتلك خبرة طويلة في المجال لإيجاد مساكن اقتصادية التكلفة وتفي بالغرض الذي يطلبه المواطن. وأكد العفران أن قيمة القرض الحالي والبالغة 300 ألف ريال لا تغطي تكلفة البناء لارتفاع سعر الأراضي السكنية من جهة، ولارتفاع أسعار البناء من جهة أخرى مما يجعل المواطن الراغب في امتلاك منزل يقع بين سندان ظروفه المادية الصعبة وبين مطرقة المقاول الجشع الذي يستغل الموقف بإنجاز منزل متواضع بأقل الأسعار ودون وجود أي جودة مما يوقع المواطن في مأزق الترميم خلال سنتين من إنجاز مسكنه.وأبان منصور الغسلان أن غياب جمعيات الإسكان التي تهتم بالقطاع أحد أهم الأسباب الحقيقية للازمة وأضاف ''إذا ما رغبنا في تخفيف حدة أزمة المساكن علينا إشهار عدد كبير من جمعيات الإسكان في كل منطقة من مناطق البلاد لتكون من أهم الأسباب في الإسهام في تطويق الأزمة وعدم تفاقمها أكثر''.
ثقافة شقق التمليك
وأشار منصور الغسلان إلى أن ثقافة شقق التمليك ضرورة يجب تفعيلها لدى فئات المجتمع وخاصة لدى فئة الشباب وقال''هذا النوع يجد رواجا كبيرا من قبل فئة الشباب حديثي الزواج ويجب تشجيع المستثمرين في هذا القطاع وحثهم على الاستثمار في هذا المجال على أن يكون هنالك تنسيق بين صندوق التنمية العقارية والمستثمرين لتذليل الصعاب والمعوقات التي تعترض طريقهم في تطبيق القروض العقارية للمواطنين على شقق التمليك مع إيجاد تصاميم حديثة لشقق التمليك تتناسب مع رغبات الشباب''. وعارضه العفران الذي قال ''إن عدم رغبة المواطنين وخاصة فئة الشباب في امتلاك شقق التمليك إضافة إلى صعوبة إجراءاتها في حائل رغم أنها نوع حيوي واستراتيجي للقضاء على الأزمة معتبرا أن العادات والتقاليد التي نشأت عليها الأسر السعودية خاصة في المدن غير الرئيسية خلال السنوات الطويلة الماضية تقلل من الاستفادة من شقق التمليك. وقال العماش ''على الرغم من كثرة برامج تمويل الإسكان لدى البنوك إلا أن هذه البرامج لا تزال غير مناسبة بالنسبة لأصحاب الدخل المتوسط حيث يتضاعف سعر المنزل عند انتهاء فترة التقسيط التي تراوح بين 15 و 25 سنة، كما أن الفائدة التي يأخذها البنك هي فائدة (تراكمية) أي أن المبلغ المسدد لا يخصم عند احتساب الفائدة إنما يحسب أصل المبلغ إجمالاً وهذا أمر مبالغ فيه جداً حيث لا يتم احتساب الفائدة على هذا الأساس في معظم البنوك العالمية.وأكد منصور الغسلان أن برامج التمويل في البنوك تعد قليلة جدا ولا تتماشى مع النهضة العمرانية التي تعيشها البلاد ولا مع خطط التنمية الطموحة التي تنتهجها الدولة.
وقلل عبد الله العفران من فاعلية برامج التمويل في البنوك لعدم إعطاء تلك البرامج التمويل الكافي لمعظم الموظفين لارتفاع أسعار العقارات والتي تصل إلى أكثر من 600 ألف ريال لأي وحدة سكنية غير مطلوبة ومرهونة لصندوق التنمية العقارية من جانب، ولارتفاع نسبة الربح لتلك البرامج التي تصل إلى 5 في المائة. وطالب الجهات المختصة بإعادة النظر في نسبة الربح والتي تصل إلى ضعف مبلغ التمويل وتخفيضها إلى 2.5 في المائة كما هو معمول في برامج تمويل البنوك في عدد من الدول المجاورة.