الحج وإعادة تثقيف المسلمين

يمثل الحج تظاهرة عالمية فريدة من نوعها، ويقدم لمفهوم التعددية والاختلاف في إطار ثقافي، ديني، حضاري للتعارف والتآلف مع الاعتراف بخصوصية كل مجتمع وأعرافه وعاداته وتقاليده محققا للمبدأ القرآني “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. فالاختلاف سنة كونية تؤدي إلى التكامل بين الناس ومن ثم التآلف والتعاون على أساس موضوعي هو تقوى الله، أي عمل الخير وما ينفع الناس وترك ما يؤذيهم وفيه شر لهم. ومسألة الخير والشر يحددها الدين الإسلامي في حفظ الضروريات الخمس الدين والعقل والنفس والعرض والمال وهي في حقيقتها أمور أساسية تتعلق بعمارة الأرض وتنميتها تنمية مستدامة آخذة في الحسبان تأثيراتها على المدى الطويل والتأكد من عدم المساس بمكوناتها البيئية الأساسية، وألا تكون على حساب الأجيال المقبلة. في المقابل وبنظرة فاحصة لمخترعات ومنتجات الحضارة الغربية وطريقة إنتاجها نجد أنها أفسدت كوكب الأرض تارة بانبعاث الغازات الملوثة ومرات بمنتجات تؤثر في صحة الإنسان وتارة بما تنتجه من أسلحة الدمار الشامل. أي حضارة تلك الحضارة المادية؟! المنفلتة أخلاقيا الشهوانية في مبتغاها، هذا لا يعني ألا ننشد التطوير والتنمية وإنما بحكمة بحيث تتحقق المنفعة دون جلب ضرر أكبر منها. ولذا فإن المقصد من عمارة الأرض ليس في تقديم ما يرغبه الناس ويحقق شهواتهم الاستهلاكية الآنية بالتعدي الجائر على موارد الأرض وبما يفسد معيشتهم أو لربما قضى على الحياة برمتها. المصيبة الكبرى أن هذه المخترعات والتقنيات أصبحت وسائل لتمرير هذه الثقافة المادية وما يتصل بها من نظم اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية لتكون الدعوة للعولمة التي في جوهرها طمس لمفهوم التعددية الثقافية وسيطرة الثقافة الغربية والاعتماد الكبير على منتجاتها ونمط استهلاكها ومعيشتها في جميع جوانب الحياة. وقد تستطيع معظم المجتمعات استيعاب العولمة والانسجام خاصة تلك المجتمعات التي تفتقد الهوية الثقافية القوية أو التي تنحدر ثقافتها في أساسها من الثقافة الغربية أو تطبعت بها، إلا أن هناك ثقافات عريقة كالثقافة الإسلامية التي لا يمكن أن تنسلخ من هويتها لطبيعة الدين الإسلامي الذي يتداخل في حياة الناس وينظم شؤونهم الخاصة والعامة ولا يتفق مع الثقافة الغربية في عدد من الجوانب تتعلق بمفهوم الحرية نوعا وكما وتوقيتا. بل أن هناك اختلافا جوهريا واضحا وجليا بين الثقافتين يصل حد الصراع، فما يعده الغرب حرية ويحقق المصلحة الشخصية يعتبره الإسلام تجني عليها خاصة فيما يتعلق بالإنتاج الجائر والتعدي على البيئة أو في تحويل المرأة إلى موضوع جنسي بحت أو التشريع للتماثل الجنسي وإباحة المسكرات وغيرها. ولذا فإن نموذج العالمية الذي يقدمه الإسلام أشمل وأوسع وأعدل من مفهوم العولمة لاحترامه الهوية المحلية للمجتمعات في إطار أخلاقي يروج للفضيلة ويحارب الرذيلة ويقر السلام العالمي والعيش المشترك بين بني البشر.
من أجل ذلك كان لا بد من أن تلعب الأمة الإسلامية دورا مميزا وأن تسهم في الحضارة العالمية وألا تعيش على هامشها وأن تقتات على فتات الآخرين وتتطفل عليهم، ففاقد الشيء لا يعطيه. لا بد أن يثبت المسلمون للآخرين عمليا أن ثقافتهم الأفضل للعالم اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وصناعيا وبيئيا. لابد من بناء النموذج الإسلامي الذي تتسق فيه سلوكيات الأفراد الرشيدة الحكيمة المنتجة مع نظم عامة تشجع هذه السلوكيات السوية وتدفع المجتمع نحو الإنتاجية وتدير الاختلاف بفاعلية وكفاءة وتحقق السلم والانضباط الاجتماعي. الأمة قادرة على فعل ذلك، وتمتلك مقومات النهوض متى ما هيأت السبل وأعدت العدة وأهمها فهم الإسلام فهما صحيحا بعيدا عن الخزعبلات والتزمت والتنطع والبدع التي تنافي النقل والعقل وتنقيته من العادات والتقاليد الاجتماعية التي تخالطه أحيانا وتعوق حركته وتشوه صورته. هذا الإسلام النقي الطاهر الصحيح لا بد للمسلمين من تطبيق تعاليمه الراقية وقيمه الحضارية في حياتهم الخاصة والعامة تطبيقا شموليا عمليا وبمنهجية متجددة تنسجم مع الواقع وتطلعات المستقبل. هذا هو العنصر الأساس والأهم في قيام الحضارة في انسجام النظرية مع التطبيق ليقول الناس ما يفعلون ويفعلون ما يقولون، بمعنى آخر تطبيق القانون (الشريعة) بعدل وحزم بين الناس في كل صغيرة وكبيرة. ولقد أشار إلى ذلك القرآن “يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ” فالله لا يحب الاختلاف بين القول والعمل، في المقابل “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ” فتراص المجتمع وقوته ومنعته وتقدمه يتطلب التوافق بين القول والعمل. إن ما يرى ويشاهد من معظم حجاج بيت الله الذين يمثلون المسلمين في شتى بقاع العالم على اختلاف جنسياتهم من سلوكيات سيئة وتصرفات مشينة لا تتفق مع تعاليم الإسلام وفضائله. إنه أمر محزن ومصاب جلل أن يبتعد أصحاب الرسالة العالمية التي هي أتم الرسالات وأقومها عن السلوك القويم غير متبعين لروح الدين ولا محققين لمقاصده العليا. لقد أصبح بعض المسلمين جاهلا بالإسلام وتعاليمه ليحوله إلى طقوس تعبدية ليس لها أثر في سلوكه وتصرفاته. في المشاعر المقدسة وفي أطهر بقاع العالم، حيث يقف المسلمون يرجون رحمة ربهم ويعلنون توبتهم ويتضرعون إلى الله أن يغفر لهم خطاياهم ومع ذلك لم تكن تصرفاتهم منسجمة مع أخلاقيات الإسلام، فالمكان يمتلئ بالمخلفات والقاذورات والأوساخ وكأنه مكب نفايات، وأبواق السيارات والحافلات تنطلق دون استحياء ولا احترام لحرمة المسلم وحرمة المكان والزمان، وبعض الناس تتعالى أصواتهم بالشتم والسب بسبب التزاحم. هذا المشهد يدل على أن هناك بعدا عن الإسلام الحقيقي، الإسلام الذي جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إسلام الطهارة والعفة والرحمة والنظافة واحترام الوقت والإنتاجية والبذل والعطاء وأن تحب لأخيك المسلم ما تحبه لنفسك. لابد من إعادة تثقيف المسلمين بإسلامهم وأهم خطوة هو وضع التعاليم الإسلامية موضع التنفيذ وتطبيقها دون هوادة بحزم وصرامة لأن من يعبث بالممتلكات والأماكن العامة عبثا وتوسيخا وإزعاجا يجب أن يؤخذ على يده لأن في ذلك مخالفة شرعية وإيذاء للمسلمين بل وأهم من ذلك يعطي صورة سيئة عن الإسلام. تربية المسلمين تتطلب أن ينظم المكان حيث يفرض احترامه، على سبيل المثال مزدلفة تحتاج إلى أن تأخذ حظها من التطوير كباقي المشاعر فهي في حالة مزرية تعدم أساسيات الصحة والسلامة العامة. وأخشى أنها ستكون منسية ولا تأخذ أولوية في ظل نهج إدارة الأزمات وضآلة احتمال حدوث كارثة، ومن الضروري تحسينها والارتقاء بخدماتها، كما يلزم تقديم خدمات النظافة العامة والتخلص من النفايات في جميع المشاعر أولا بأول بدلا من تركها إلى حين رحيل الحجاج، ما قد يعزز هذه السلوكيات السيئة فضلا عن أنها تؤثر في الصحة العامة وتتسبب في انتشار الأوبئة. إن إعادة تثقيف المسلمين يتطلب منظومة متكاملة تشمل تطوير وتنفيذ الإجراءات والسياسات العامة بكفاءة وفاعلية وتهيئة البيئة وتعليم المسلمين الخلق الإسلامي في التعامل فيما بينهم وفي تعاملهم مع محيطهم، وموسم الحج المناسبة الأفضل لتحقيق ذلك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي