رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل يمكن أن يكون معدل الفائدة الاسمي سالبا؟ (2 من 2)

منذ أن بدأت الأزمة المالية العالمية، والأصوات تتعالى بضرورة أن تجرب البنوك المركزية أسلحة غير تقليدية لمواجهة الأزمة، ومن هذه الأسلحة غير التقليدية فرض معدلات فائدة سالبة على مودعات البنوك لدى البنك المركزي، وذلك لإجبار تلك البنوك على الاستمرار في ممارسة دورها التقليدي في الاقتصاد كوسيط مالي بعد أن توقفت معظم البنوك عن الإقراض، مما يسهم في تعميق مستويات الكساد. على سبيل المثال قام بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) بضخ أكثر من 140 مليار إسترليني في الاقتصاد المحلي من خلال شراء البنك لسندات حكومية وأصول شركات، بصفة خاصة من البنوك التجارية، ومن الناحية النظرية يفترض أن تقوم البنوك باستخدام هذه الأموال لأغراض عمليات الإقراض لقطاع الأعمال والقطاع العائلي الأمر الذي يحفز مستويات الإنفاق الكلي ورفع مستويات التوظف. غير أن الذي حدث هو أن معظم هذه الأموال انتهت عند بنك إنجلترا نفسه في صورة مودعات للمصارف البريطانية. كذلك واجهت اليابان المشكلة نفسها سابقا، عندما رفضت البنوك اليابانية الاستمرار في عمليات الإقراض على الرغم من تحفيز البنك المركزي بسبب سوء الأوضاع المصاحبة للأزمة، وواقع الحال يشير إلى أن البنوك في معظم دول العالم تقلص من عمليات الإقراض، وأن ودائع المصارف لدى البنوك المركزية أصبحت إحدى السمات الملازمة للأزمة في معظم دول العالم.
هناك بنك مركزي واحد في العالم أخذ زمام المبادرة وأعلن تبني سياسات معدل الفائدة السالب على المودعات المصرفية. فقد دفعت الأزمة الاقتصادية بالبنك المركزي في السويد إلى التوقف عن اعتبار الصفر أرضية لمعدل الفائدة الاسمي، وبدءا من الثامن من تموز (يوليو) 2009، وفي خطوة غير مسبوقة في التاريخ أعلن ريكسبانك (البنك المركزي السويدي)، أن سعر الفائدة على المودعات المصرفية لديه، أي المعدل الذي تحصل عليه البنوك على مودعاتها لدى البنك المركزي السويدي، هو سالب 0.25 في المائة، وهو ما يعني عمليا تخفيض سعر النقود إلى أدنى من الصفر، وهي أول مرة يخترق فيها بنك مركزي أرضية معدل الفائدة (معدل الفائدة الصفري) في التاريخ. بالنسبة للبنوك السويدية فإن هذا المعدل يعد بمثابة فرض ضريبة على احتياطيات البنوك النقدية لدى ريكسبانك. أي أن البنك المركزي في السويد يجعل معدل الفائدة على مودعات البنوك عقابيا، حيث تصبح المودعات لدى البنك المركزي أمرا مكلفا للبنوك، وهو ما يجبر البنوك التي لديها مودعات لدى البنك المركزي على أن تدفع للبنك المركزي فائدة 0.25 في المائة لكي تحتفظ بمودعاتها لديه. فكيف للبنوك أن تفعل ذلك وهي مطالبة في الوقت ذاته بدفع فائدة لمودعي هذه الأموال لديها؟ البنوك التجارية لن تجد أمامها إذن سوى خيار واحد، وهو إقراض فوائض السيولة لديها، بدلا من إيداعها لدى البنك المركزي بمعدلات فائدة سالبة، وهو ما يضمن تأكد البنك المركزي بأن البنوك ستقرض فوائض السيولة لديها، وأن القطاعات المختلفة في الاقتصاد المحلي ستحصل على الائتمان اللازم لها.
إن الهدف المعلن لسياسة معدلات الفائدة السالبة هو تشجيع البنوك التجارية على الإقراض لأنها بهذا الشكل تتجنب ببساطة معدل الفائدة العقابي، ومن ثم تمارس دورها التقليدي كوسيط مالي يحقق هامش وساطة يتمثل في الفرق معدل الفائدة الذي تدفعه للمودع، ومعدل الفائدة الذي يدفعه المقترض، وذلك لفك حالة مصيدة السيولة التي يعانيها الاقتصاد السويدي، أي عدم خروج النقود من البنوك إلى الاقتصاد الحقيقي نتيجة للجوء البنوك إلى اكتناز الأموال بسبب حالة عدم التأكد حول الأداء الاقتصادي على المستوى الكلي. وللتقليل من آثار مثل هذه الخطوة على عمليات الإيداع الجديد في البنوك السويدية قامت الحكومة أيضا بإقراض البنوك نحو 100 تريليون كرونة سويدية (13 مليار دولار) بمعدل فائدة ثابت لكي تشجعها على الإقراض وذلك لمحاولة الخروج من أسوأ حالة ركود تشهدها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، حيث يتوقع أن تشهد البلاد هذا العام انخفاضا في مستويات الاقتصادي بنسبة 5.4 في المائة هذا العام، لذلك يحرص البنك المركزي على أن يشجع البنوك على بدء عمليات الإقراض للشركات وللأفراد.
من الممكن طبعا أن يكون معدل الفائدة الحقيقي سالبا، وذلك عندما يكون معدل التضخم المتوقع أعلى من معدل الفائدة الاسمي. أما أن يكون معدل الفائدة الاسمي سالبا، فهذا بالتأكيد سياسة جديدة على العالم، ولذلك فإن البنوك المركزية في العالم تتابع عن كثب ما ستنتهي إليه التجربة السويدية، والتي ربما، في حالة نجاحها، تؤدي إلى تغيير مفاهيمنا عن السياسة النقدية في أوقات الكساد. بل إن هناك بعض الدلائل التي تشير إلى أن الخطوة الجريئة التي أقدم عليها ريكسبانك جذبت الاهتمام العالمي ودفعت بعض البنوك المركزية في العالم إلى التفكير بصورة جدية في جدوى تبني تلك الخطوة، على سبيل المثال أعلن البنك المركزي البريطاني أنه ربما يتبع المثال السويدي بعد أن أصبحت الخيارات محدودة أمامه للخروج من الأزمة الحالية. كذلك قام الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة أخيرا بخفض معدل الفائدة إلى 0.005 في المائة، في إشارة إلى أنه في حالة استمرار الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي سيئة، فمن الممكن أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي بالمضي قدما نحو معدل فائدة سالب على الدولار.
ولكن ما مخاطر تلك الخطوة التي أقدم عليها بنك السويد المركزي؟ من الممكن أن يترتب على الخطوة السويدية مجموعة من الآثار الخطيرة أهمها إمكانية حدوث حالات خروج هائلة للأموال من القطاع المصرفي إلى الخارج السويدي بحثا عن معدلات عائد أعلى على فوائض السيولة لديها، بدلا من إيداعها لدى بنك السويد المركزي، الأمر الذي يمكن أن يحدث تراجعا كبيرا في قيمة الكرونة السويدية، المشكلة الثانية هي أن سياسة معدلات الفائدة السالبة تعد من السياسات الجديدة تماما، حيث لم تطبق سابقا على نحو رسمي في أي دولة في العالم، ومن ثم تظل السياسة تحت التجربة، وغير معلومة النتائج مما يشيع حالة من عدم التأكد، وأخيرا فإنه من المحتمل أن يكون لهذه السياسة آثارا سيئة على سوق النقود، ومن ثم من الممكن أن تشجع من عمليات المضاربة، بما تخلقه من مخاطر جمة. إذا نجحت الخطوة السويدية فإنها ستشجع الكثير من البنوك المركزية في العالم على تبني هذه السياسة، وفرض معدلات فائدة سالبة على المودعات المصرفية في أوقات الأزمة، وسيضاف معدل الفائدة السالب بالتالي إلى سلة السياسات النقدية التي تستخدمها البنوك المركزية في أوقات الكساد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي